لم يسبق للبشرية أن عاشت عصرا تتدفق فيه المعلومات بهذا الحجم الهائل كما تعيشه اليوم. فبين الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية والتطبيقات الرقمية أصبح الإنسان محاطا بكمٍ غير مسبوق من الأخبار والتحليلات والآراء والصور ومقاطع الفيديو. وبات الوصول إلى المعلومة أسرع وأسهل من أي وقت مضى.. لكن المفارقة اللافتة أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم يؤدّ بالضرورة إلى زيادة الثقة بل ربما حدث العكس تماما.
فكلما زادت المعلومات اتسعت مساحة الشك. وكلما تنوعت مصادر الأخبار ازدادت الحيرة حول أيها يستحق التصديق. وهكذا وجد الإنسان نفسه يعيش أزمة جديدة يمكن تسميتها بأزمة الثقة في زمن الوفرة المعلوماتية.. في الماضي كانت مصادر المعرفة محدودة وواضحة نسبيا. كان المواطن يقرأ صحيفة أو اثنتين ويتابع نشرة أخبار محددة ويستقي معلوماته من مؤسسات معروفة يتحمل القائمون عليها مسؤولية ما ينشرونه. أما اليوم فقد أصبح كل شخص يمتلك هاتفا قادرا على أن يكون ناشرا وصانع محتوى ومحللا ومعلقا في الوقت ذاته.
وبين الحقائق والشائعات وبين الخبر والرأي وبين المعلومة والتضليل أصبحت الحدود أكثر ضبابية من أي وقت مضى...ولعل أخطر ما في هذه الحالة أن الإنسان لم يعد يشك في الأخبار الكاذبة فقط بل بدأ يشك أحيانا في الأخبار الصحيحة أيضا. فحالة التشبع بالمعلومات المتناقضة أفرزت نوعا من الإرهاق الذهني جعل كثيرين يتعاملون مع كل ما يصل إليهم بعين الريبة. وأصبح السؤال الذي يتكرر باستمرار: من نصدق؟ هذه الأزمة لا ترتبط بالإعلام وحده بل تمتد إلى مجالات أوسع داخل المجتمع. فضعف الثقة لم يعد مقتصرا على الخبر بل أصبح يطال المؤسسات والأفراد والخبراء وحتى العلاقات الإنسانية نفسها.
فهناك شعور متزايد لدى البعض بأن الحقيقة أصبحت نسبية وأن لكل رواية رواية مضادة ولكل معلومة تفسير مختلف ولكل حدث عشرات القراءات المتناقضة.. وقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة ليس لأنها تنشر المعلومات فقط بل لأنها تمنح الجميع الفرصة للحديث في كل شيء.
لم يعد هناك فرق واضح بين رأي المتخصص ورأي غير المتخصص وبين المعلومة المدققة والانطباع الشخصي. وأصبح عدد المتابعين أحيانا أكثر تأثيرا من حجم المعرفة والخبرة.. وفي ظل هذا المشهد باتت الشائعة تنتشر بسرعة مذهلة. فالمحتوى المثير غالبا ما يحظى بانتشار أوسع من المحتوى الدقيق. والخبر الصادم يجذب الانتباه أكثر من الخبر المتزن. ومع تكرار هذه الظاهرة، أصبح بعض الناس يفضلون تصديق ما ينسجم مع قناعاتهم المسبقة حتى لو افتقر إلى الأدلة، بينما يرفضون الحقائق التي تتعارض مع تصوراتهم مهما كانت موثقة.
ومن هنا تتشكل دائرة خطيرة. فكلما تراجعت الثقة زادت قابلية المجتمع لتصديق الشائعات. وكلما انتشرت الشائعات تآكلت الثقة أكثر. ومع مرور الوقت يتحول الشك من حالة مؤقتة إلى ثقافة عامة تؤثر في طريقة التفكير والتفاعل مع الأحداث.. ولا يقتصر تأثير أزمة الثقة على المجال الفكري أو الإعلامي فقط بل يمتد إلى الاقتصاد والسياسة والحياة الاجتماعية.
فالاستثمار يحتاج إلى الثقة والعلاقات الإنسانية تقوم على الثقة والعمل الجماعي لا ينجح دون ثقة متبادلة وحتى الاستقرار المجتمعي يرتبط بدرجة كبيرة بوجود حد أدنى من الثقة بين الأفراد والمؤسسات.. إن المجتمعات التي تفقد الثقة تدريجيا تواجه صعوبات كبيرة في تحقيق التماسك والتعاون.
فعندما يسود الشك المفرط يصبح الحوار أكثر صعوبة، وتزداد حدة الاستقطاب، ويتراجع الاستعداد للاستماع إلى وجهات النظر المختلفة. وهنا يتحول الاختلاف الطبيعي إلى حالة من الانقسام ويتحول النقاش إلى صراع لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الانتصار..لكن تحميل التكنولوجيا وحدها مسؤولية هذه الأزمة قد يكون تبسيطا مخلا للمشهد. فالتكنولوجيا في النهاية مجرد أداة.
أما جوهر المشكلة فيرتبط بكيفية استخدامها وبمدى الوعي المجتمعي القادر على التمييز بين الحقيقة والادعاء وبين المعلومة والرأي وبين النقد الموضوعي والتشويه المتعمد...ولذلك فإن مواجهة أزمة الثقة لا تبدأ بمنع تدفق المعلومات فهذا أمر مستحيل في عالم مفتوح ومتصل على مدار الساعة. وإنما تبدأ ببناء ثقافة تحقق وتدقيق وتعزيز التعليم القائم على التفكير النقدي وتشجيع الإعلام المهني المسؤول وترسيخ قيم الشفافية والمصداقية في مختلف المجالات...كما أن الفرد نفسه يتحمل جزءًا من المسؤولية. فقبل مشاركة أي خبر أو التعليق على أي حدث يجب أن يتساءل: هل هذه المعلومة صحيحة؟ ما مصدرها؟ وهل تم التحقق منها؟ فالكثير من الأزمات تبدأ من ضغطة زر وكثير من الشائعات تنتشر لأن أحدًا لم يتوقف للحظة ليتأكد قبل النشر.
وفي النهاية ربما تكون المفارقة الكبرى في عصرنا أن التحدي لم يعد في الوصول إلى المعلومات بل في الوصول إلى الحقيقة وسط هذا الطوفان من المعلومات. فالمعرفة أصبحت متاحة للجميع لكن الثقة أصبحت أكثر ندرة من أي وقت مضى.. ولهذا فإن معركة المستقبل لن تكون فقط معركة التكنولوجيا أو الاقتصاد أو النفوذ بل ستكون أيضا معركة استعادة الثقة. لأن المجتمعات لا تبنى بالحقائق وحدها بل تبنى كذلك بالإيمان المشترك بوجود حقائق يمكن الوصول إليها وبوجود مؤسسات وأفراد يستحقون أن نثق بهم.. وفي زمن الوفرة المعلوماتية قد تصبح الثقة هي الثروة الحقيقية التي تبحث عنها المجتمعات لأنها الأساس الذي تقوم عليه المعرفة وتزدهر به العلاقات وتستقيم معه حركة الحياة..