يُعد مرض الزهايمر من أكثر الاضطرابات العصبية شيوعًا بين كبار السن، وهو حالة تؤثر تدريجيًا في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء المهام اليومية. ورغم التقدم الكبير في الأبحاث الطبية خلال العقود الأخيرة، لا يزال السبب الدقيق وراء ظهور المرض غير محسوم بشكل كامل، إلا أن العلماء توصلوا إلى مجموعة من التغيرات والعوامل التي يبدو أنها تلعب دورًا مهمًا في تطوره.
وفقًا لتقرير نشره موقع Health، فإن مرض الزهايمر لا يظهر بصورة مفاجئة، بل تسبقه تغيرات دماغية قد تبدأ قبل سنوات طويلة من ظهور الأعراض الواضحة، مع تداخل عوامل وراثية وصحية وبيئية تؤثر في احتمالات الإصابة.
ما الذي يحدث داخل الدماغ؟
يرتبط الزهايمر بتراجع أعداد الخلايا العصبية والوصلات التي تربط بينها، وهي العناصر المسئولة عن نقل المعلومات داخل الدماغ. ويبدأ الضرر غالبًا في المناطق المرتبطة بتكوين الذكريات واسترجاعها، ثم يمتد تدريجيًا إلى وظائف عقلية أخرى مثل التفكير واللغة واتخاذ القرارات.
ومع تقدم المرض تتقلص بعض مناطق الدماغ نتيجة فقدان الخلايا العصبية، وهو ما ينعكس على القدرات الإدراكية للمصاب.
نظريات علمية تحاول تفسير المرض
على مدار سنوات، قدم الباحثون عدة تفسيرات لفهم الآليات التي تقف وراء الزهايمر.
اضطراب النواقل العصبية
من أقدم التفسيرات العلمية ما يتعلق بانخفاض كفاءة بعض المواد الكيميائية التي تساعد الخلايا العصبية على التواصل فيما بينها. ومن أبرزها مادة الأستيل كولين، التي ترتبط بعمليات التعلم والتذكر.
وتعتمد بعض الأدوية المستخدمة حاليًا على دعم مستويات هذه المادة للمساعدة في تخفيف الأعراض لفترة معينة، لكنها لا توقف تطور المرض أو تمنع استمرار تلف الخلايا العصبية.
تراكم البروتينات داخل الدماغ
تركز نظرية أخرى على تراكم أنواع معينة من البروتينات داخل أنسجة الدماغ، حيث يُعتقد أن هذه الترسبات قد تساهم في إحداث اضطرابات تؤثر في وظائف الخلايا العصبية.
ورغم أن هذه الفرضية حظيت باهتمام واسع، فإن نتائج الدراسات ما زالت محل نقاش علمي، خاصة أن بعض الأشخاص تظهر لديهم هذه الترسبات دون أن يصابوا بالزهايمر. كما أن الأبحاث لا تزال مستمرة لفهم العلاقة الدقيقة بين هذه التغيرات وظهور المرض.
إلى أي مدى تلعب الوراثة دورًا؟
تشير الدراسات إلى أن العوامل الجينية تشارك بدرجات متفاوتة في عدد كبير من الحالات. وتوجد طفرات وراثية نادرة قد تؤدي إلى ظهور المرض في أعمار مبكرة نسبيًا، بينما ترتبط حالات أخرى بجينات تزيد من احتمالية الإصابة دون أن تجعلها حتمية.
ويؤكد الباحثون أن امتلاك عوامل وراثية معينة لا يعني بالضرورة الإصابة بالمرض، لأن نمط الحياة والحالة الصحية العامة يظلان جزءًا مهمًا من المعادلة.
العمر.. العامل الأكثر تأثيرًا
يزداد خطر الإصابة بالزهايمر بشكل واضح مع التقدم في السن، ويُعتبر العمر العامل الأكثر ارتباطًا بالمرض مقارنة بالعوامل الأخرى.
وتظهر غالبية الحالات بعد سن الخامسة والستين، بينما ترتفع النسبة بصورة أكبر بين الأشخاص الذين تجاوزوا منتصف الثمانينيات من العمر.
حالات صحية قد ترفع مستوى الخطر
هناك مجموعة من الأمراض والمشكلات الصحية التي ترتبط بزيادة احتمالات الإصابة بالزهايمر، ومن بينها:
ـ أمراض القلب والأوعية الدموية
تؤثر صحة الأوعية الدموية بصورة مباشرة في كفاءة تغذية الدماغ بالأكسجين والعناصر الضرورية. ولذلك فإن ارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والسكتات الدماغية تعد من العوامل التي تستدعي الاهتمام عند تقييم خطر الإصابة.
ـ السكري واضطرابات التمثيل الغذائي
يرتبط السكري من النوع الثاني وارتفاع الكوليسترول والسمنة، خصوصًا خلال منتصف العمر، بزيادة احتمالات التدهور المعرفي مع التقدم في السن.
ـ الاكتئاب
تشير أبحاث متعددة إلى وجود علاقة بين الاكتئاب وخطر الإصابة بالزهايمر. وفي بعض الحالات قد تظهر التغيرات المزاجية كأحد المؤشرات المبكرة التي تسبق التشخيص.
العزلة الاجتماعية وتأثيرها على الدماغ
لا تقتصر صحة الدماغ على الجوانب الطبية فقط، بل تتأثر أيضًا بطبيعة العلاقات الاجتماعية. فالأشخاص الذين يعانون من قلة التفاعل الاجتماعي أو الشعور المستمر بالوحدة قد يكونون أكثر عرضة للمشكلات المعرفية.
وتشير الأدلة إلى أن المشاركة في الأنشطة الاجتماعية والتطوعية والحفاظ على التواصل مع الآخرين يساعدان في دعم الأداء الذهني وتحسين الصحة النفسية.
كما تشير تشير الدراسات إلى أن الحفاظ على النشاط الذهني من خلال القراءة وتعلم مهارات جديدة وممارسة الأنشطة الفكرية قد يساهم في دعم صحة الدماغ على المدى البعيد.
الحركة المنتظمة قد توفر حماية إضافية
النشاط البدني لا يفيد القلب والعضلات فقط، بل يمتد تأثيره إلى الدماغ أيضًا. فقد أظهرت أبحاث أن ممارسة الرياضة بانتظام ترتبط بانخفاض احتمالات الإصابة بالخرف وبعض الاضطرابات المعرفية المرتبطة بالتقدم في العمر.
كما أن الجمع بين النشاط الجسدي والتحفيز الذهني والتواصل الاجتماعي يُعد من أكثر الأساليب التي يوصي بها الخبراء للحفاظ على الوظائف الإدراكية مع التقدم في السن.