تواجه دول أوروبية موجة حر غير معتادة في هذا الوقت من العام، مما دفع السلطات إلى اتخاذ إجراءات طارئة للتعامل مع الارتفاع القياسي في درجات الحرارة، في ظاهرة وصفها خبراء الأرصاد بأنها "استثنائية من حيث توقيتها المبكر ومدتها" .
إغلاق المدارس في فرنسا.. ودرجات حرارة قياسية
في فرنسا، سُجلت أعلى درجة حرارة لشهر مايو على الإطلاق يوم 28 مايو في بلدة أنغوليم بمنطقة شارنت، حيث بلغت 37.8 درجة مئوية . وأغلقت العديد من المدارس أبوابها خلال فترات الظهيرة لحماية التلاميذ من ضربات الشمس، في مشهد نادر خارج فصل الصيف.
الحالة الأكثر صدمة كانت في مدرسة ببلدة سوستون جنوب غرب فرنسا، حيث بلغت درجة الحرارة في ممرات المدرسة 53 درجة مئوية بسبب وجود سقف زجاجي كبير، مما أدى إلى إصابة العديد من التلاميذ بوعكات صحية، بينهم طفل أصيب بحالة إغماء وقيء . وقال فيليب سان مارتان، عمدة البلدة "في هذه الظروف، من المستحيل العمل أو التدريس" .
ولم تقتصر المعاناة على التلاميذ فقط، بل امتدت إلى المعلمين الذين يصفون الفصول الدراسية بأنها "أفران محكمة الإغلاق"، حيث تصل الحرارة في بعض الفصول إلى 38 درجة مئوية بحلول الحادية عشرة صباحًا .
وأشارت المعلمة أميلي باسكو، التي تدرس في إحدى ضواحي باريس، إلى أن الطلاب يعانون من الصداع والإرهاق، مشيرة إلى أن "المراوح لا تفعل شيئًا سوى تدوير الهواء الساخن" .
وبلغت درجات الحرارة في العديد من المدن الفرنسية مستويات قياسية، حيث سجلت بوردو 39 درجة مئوية، في حين تجاوزت الحرارة حاجز 37 درجة في كل من تولوز ومونبلييه.
إيطاليا.. إنذارات حمراء وانقطاع التيار الكهربائي
أما إيطاليا فكانت على موعد مع موجة حر قاسية، حيث وضعت وزارة الصحة الإيطالية مدن روما وفلورنسا وتورينو وبولونيا تحت "الإنذار الأحمر" (Bollino Rosso)، وهو أعلى مستوى تحذير من الحرارة، مما يشير إلى وجود تهديد صحي خطير حتى على الأصحاء.
وكانت تورينو من أكثر المدن تضررًا، حيث عانت من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي بسبب الضغط الهائل على شبكة الكهرباء جراء تشغيل أجهزة التكييف . وتسببت هذه الانقطاعات في تعطل إشارات المرور، مما أدى إلى شلل حركة المرور وزحام خانق في شوارع المدينة.
واعترفت شركة "إيرين" (Iren) التي تخدم حوالي 650 ألف مشترك في تورينو، بأن موجة الحر جاءت أبكر من المتوقع، وأن الكابلات الكهربائية تعاني من إجهاد حراري نتيجة ارتفاع درجات الحرارة وساعات النهار الطويلة . وقال عمدة تورينو ستيفانو لو روسو إن شبكة الكهرباء قديمة وتحتاج إلى استثمارات كبيرة، مشيرًا إلى أن إصلاحها "سيستغرق وقتًا".
إسبانيا.. الهروب إلى البحر تحت وطأة 40 درجة
في إسبانيا، وصلت درجات الحرارة إلى 40 درجة مئوية في مناطق مثل بلباو، وحطمت العديد من المدن أرقامها القياسية لشهر مايو ، وفي مدينة زامورا، سُجلت 36 درجة مئوية لأول مرة في فصل الربيع، متجاوزة الرقم القياسي السابق البالغ 35 درجة والمُسجل في العام الماضي .
وشهدت الشواطئ الإسبانية إقبالاً غير مسبوق لهذا الوقت من العام، حيث فضل السكان والسياح الهروب إلى البحر هربًا من الحر الشديد. وفي مدن مثل بطليوس (Badajoz)، تم تسجيل 38 درجة مئوية، وهو رقم قياسي في محطة الرصد التي يبلغ عمرها 71 عامًا .
كما سجلت إسبانيا ليالي استوائية، حيث بقيت درجات الحرارة فوق 20 درجة مئوية حتى بعد غروب الشمس، مما حرم السكان من فرصة التبريد الطبيعي أثناء الليل.
عدد الضحايا.. أرقام مقلقة
الخبر الأكثر إيلامًا هو أن موجة الحر هذه أسفرت عن سقوط ضحايا. ففي فرنسا، أفادت السلطات بمصرع 8 أشخاص على الأقل لأسباب مرتبطة مباشرة أو غير مباشرة بالحر .
يعزو خبراء الأرصاد هذه الموجة الحارة غير المسبوقة إلى ظاهرة تُعرف باسم "القبة الحرارية" (Heat Dome)، والتي تحدث عندما يحبس نظام ضغط جوي مرتفع قادم من شمال إفريقيا كتلًا هوائية ساخنة فوق أوروبا الغربية، مما يمنع وصول الهواء البارد ويؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة بشكل حاد ومستمر.
ويحذر الخبراء من أن هذه الظواهر قد تصبح أكثر تواترًا وشدة في المستقبل بسبب التغيرات المناخية، حيث تتوقع الأرصاد الجوية الفرنسية أن يكون صيف 2026 "حارًا جدًا" مع احتمالية "عالية جدًا" لموجات حر إضافية.
إجراءات الطوارئ ونصائح الحماية
ناشدت الحكومات المواطنين، خاصة كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة والأطفال، بالبقاء في أماكن باردة وشرب كميات كافية من الماء، وتجنب التعرض المباشر للشمس خلال ساعات الذروة.
تأثير الحر على البيض والحيوانات والفواكه
بينما تركز الأنظار على حرائق الغابات وانقطاع الكهرباء، كشفت موجة الحر غير المسبوقة التي تضرب أوروبا عن تأثيرات أكثر غرابة وأقل وضوحًا، وهى أن البيض أصبح أكثر هشاشة، والحيوانات أضعف، والفواكه أصغر حجمًا .
وحذر الخبراء من أن تأثير موجة الحر فى أوروبا لا تتوقف عند حدود الإزعاج المؤقت، بل تمتد لتشمل أمن الغذاء في واحدة من أكبر المناطق المنتجة للغذاء في العالم.
البيض.. أزمة هشاشة وتراجع في الإنتاج
التفاصيل الصادمة التي كشفها خبراء فرنسيون تبدأ من الدجاج. فوفقًا للمعهد الوطني الفرنسي للأبحاث الزراعية والغذائية والبيئية (INRAE)، فإن الدجاج البياض يعاني بشدة من درجات الحرارة المرتفعة .
وأوضحت آن كولان، مديرة أبحاث بيولوجيا الطيور وتربية الدواجن في المعهد، أن "أول موجة حر في العام تؤثر بشدة على إنتاج البيض". فالدجاج تحت الضغط الحراري يقلل من استهلاكه للعلف للتكيف مع الحرارة، مما يحول طاقته من الإنجاب إلى البقاء فقط.
الأرقام مثيرة للقلق، حيث عندما تتعرض الدجاجات لحرارة تصل إلى 32 درجة مئوية، يمكن أن ينخفض إنتاج البيض بنسبة تتراوح بين 15% و30%، حسب مدة الموجة الحارة.
ويضيف الخبراء أن استعادة مستويات الإنتاج الطبيعية تستغرق وقتًا، فبينما يعود عدد البيض المنتج إلى طبيعته خلال يوم أو يومين، فإن تأثير الحرارة على وزن صفار البيض قد يستمر لعشرة أيام كاملة.
لا تقتصر المعاناة على الدواجن فقط. فقد حذرت يورونيوز من أن "الحيوانات أصبحت أضعف" بشكل عام نتيجة ارتفاع درجات الحرارة.
وتأتي الأبقار الحلوب في مقدمة المتضررين. تشير الدراسة إلى أن إنتاج الحليب ينخفض بنسبة 1% في المتوسط بسبب الإجهاد الحراري، كما تنخفض جودة الحليب (نسبة البروتين والدهون)، مما يؤثر سلبًا على دخل المزارعين .
وحذر جيريمي ويلكس، حذر من أن موجة الحر هذه ستؤدي إلى أن تصبح "الفواكه أصغر حجمًا"