-
كواليس فك رموز 3 مليارات حرف في الخلية المصرية وتحويلها لمعلومات طبية جديدة تناسب كل مصري
-
مبادرة رئاسية تجمع 1024 حمض نووي وهدفها 100 ألف.. تكشف السكر والفشل الكلوى قبل حدوثه بسنوات
-
جينات المصريين مشتركة بنسبة 71% مع شبه الجزيرة والشام، و 18.5% منها أصيلة تماما
-
الطب العالمي "متحيز" جينياً للأصول الأوروبية بنسبة 80% من قواعد البيانات
في ظل زيادة وعى المصريين وحاجتهم المستمرة للعلم والمعرفة الخاصة بالتعامل مع الأمراض وطبيعة الجسم في الاستجابة للعلاج، يظهر مشروع "الجينوم المصري"، وهو عبارة عن مبادرة وطنية كبرى تهدف لرسم خريطة وراثية دقيقة للمصريين، لفهم التركيبة الجينية، ومنها دراسة الأمراض بما فيها تقدير نسب الخطورة وطرق التعامل الأنسب لكل مصري.
وفى هذا الإطار، كان لنا حوار مع الدكتور أحمد مصطفى، أستاذ المعلوماتية الحيوية بالجامعة الأمريكية، ورئيس قسم المعلوماتية الحيوية في مركز البحوث الطبية والطب التجديدى، وهو المركز المستضيف لمشروع الجينوم المصري، يحدثنا الباحث والعالم المصري من خلفية تجمع بين كونه مهندس حاسبات خريج هندسة الإسكندرية وحاصل على الدكتوراه في الوراثة بجامعة أيوا الأمريكية، فمن هنا جاء التقاطع للمعلوماتية الحيوية "Bioinformatics" وعلم الأحياء الحاسوبى "Computational Biology"، وهو أيضا عضو اللجنة العلمية المسئولة عن المشروع والباحث المشارك للورقة العلمية التي تم نشرها للجينوم المصري، وذلك تحت قيادة لواء طبيب أستاذ دكتور خالد عامر، المؤسس والرئيس التنفيذي للمركز.
هذا المشروع ليس مجرد بحث علمي، بل هو "ثورة صحية" تسعى لكسر الاعتماد على المقاييس الغربية في العلاج؛ حيث يكشف الحوار كيف يمكننا التنبؤ بالأمراض المزمنة كالسكر والفشل الكلوي قبل وقوعها بسنوات، وكيف سيتغير مستقبل الطب في مصر ليصبح لكل مواطن "جرعة دواء" مفصلة بدقة حسب شفرته الوراثية، بعيداً عن عشوائية النتائج والآثار الجانبية.
وإلى نص الحوار..
1- ما هو مشروع الجينوم المصري ببساطة؟ وما تمكن علماءنا من تحقيقه؟
فى البداية يجب أن نعلم معنى الجينوم البشري، وهو ببساطة الحمض النووي "DNA"، كتاب الحياة الذى يحمله الشخص، طوله 3 مليار حرف، لتبسيط ذلك إذا تم طباعة هذه البيانات، ستملأ مليون صفحة لشخص واحد، يعني ألف مجلد ضخم، وكل ذلك يوجد في خلية واحدة فقط.
أما ما نفعله في مشروع الجنيوم المصري، فهو أننا نسعى لقراءة هذا الكتاب وترجمته لبيانات تخص التركيب الجينى للمصريين، واستطعنا حتى الآن أن نجمع عينات من 1024 مواطن من 21 محافظة، قرأنا من خلالهم اول خريطة جينات مصرية، بدلا من الاعتماد على خريطة الجينوم العالمية.
2- ولماذا نحتاج لنسخة مصرية خاصة بنا؟
يعد السبب الرئيسى وراء هذا المشروع هو أن هناك فجوة علمية عالمية، فحوالى 80% من المشاركين في أبحاث الجينوم العالمية من أصول أوروبية فهم يتصدرون قواعد البيانات، في حين أنهم يمثلوا حوالى 16% فقط من سكان العالم، أما الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يمثلون أقل من 1% من المشاركين في حين يبلغون 6% من سكان العالم، والنتيجة أن كثير من الأدوية والمقاييس الطبية تم تصميمها على بيانات شعوب لا تشبهنا، مثلا بعض النتائج التي توصلنا لها أن المقاييس الأوروبية لتقدير خطر السكتة لدماغية كانت مختلفة وغير منطقية تماما لمجتمعنا عند مقارنتها بالبيانات المبدئية التي قمنا بتجميعها، وبالتالي النسخة المصرية هي ضرورة علمية وصحية لدراسة الصحة العامة وليست مجرد بحث علمى يتم إجراءه.
التحيز الأوروبى فى قواعد البيانات الطبية
3- نحن نتحدث عن بيانات ضخمة جداً.. هل يمكنك تقريب الصورة لنا عن حجم البيانات التي يتعامل معها فريقكم لكل متطوع مصري؟
كل متطوع ينتج لنا مئات الجيجابايت من البيانات الخام، حيث إن كل مواطن يجرى له تسلسل للجينوم الخاص به، ولتقريب الصورة فإن هذه البيانات تبلغ ما يعادل 200 ساعة فيديو.
4- نرى أجهزة عملاقة تتعامل مع هذه البيانات المعقدة.. كيف يحول فريق "المعلوماتية الحيوية" هذه الرموز إلى معلومة يفهمها الطبيب المعالج؟
هذه المرحلة هي ما يقم بها فريقي، وهى تحديدا تحليل البيانات، الفريق كله صغير السن، من حديثي التخرج، كلهم مصريين وعددهم 10 أفراد، لديهم حماس واجتهاد غير مسبوق.
نعمل على تشفير الجينوم ونقارن الجينوم لكل شخص بالجينوم المرجعي العالمي، وعندما نجد اختلاف بين حرف من الحروف في العينة، نسجله بمتباين أو اختلاف جيني “Genetic variant”، ووجدنا 51 مليون متباين جيني، منهم 17 مليون لا توجد في أي قواعد بيانات قبل ذلك أي نسبة 33%، وهذا يدل على أن هذا المشروع يسد فجوة كانت موجودة في قواعد البيانات الجينية العالمية.
كما أنه من ضمن النتائج، وجدنا أن جينات المصريين مشتركة بنسبة 71% مع شبه الجزيرة والشام، و 18.5% خاصة بالمصريين تماما وهذا يميزنا، ويشير إلى جذور وراثية تمتد لآلاف السنين، صحيح توجد روافد جينية من دول الجوار جغرافيا بسبب التوافد الجيني ولكن يوجد جينات مصرية أصيلة.
ونجرى عمليات إحصائية باستخدام برمجيات متخصصة لترجمة البيانات لتقارير يقدر الطبيب أن يقرأها، وبناء عليها يشخص جينيا الحالة ويتعامل مع المرض الخاص به.
5- هل تستخدمون برامج جاهزة أم أن طبيعة الجينات المصرية فرضت عليكم ابتكار طرق تحليلية خاصة؟
نتبع طرق ومعايير عالمية، وتوجد مساهمات لكتابة الكثير من البرامج المخصصة لتحليل هذه الجينات بشكل أنسب، لا يوجد طريقة نعتمدها كما هي، لذلك يتعامل الفريق مع ضبطها بما يناسب على خوادم مركز البحوث الطبية ولا نحتاج إلى إرسال شيء خارج مصر.
رسم بيانى لخريطة الجينوم المصرى
6- المشروع يعد مبادرة رئاسية ويجمع بين (الدفاع والصحة والتعليم).. كيف تتكامل هذه الجهات لخدمة "صحة المواطن"؟
هذا المشروع بمثابة مبادرة مصرية في إطار رؤية مصر 2030، تهدف لتحويل الصحة في مصر من الطب التقليدي وهو معالجة المرض بعد حدوثه إلى التنبؤ بالمخاطر الصحية ومحاولة منعها من قبل حدوثها، وهى نموذج للتكامل المؤسسى في تاريخ البحث العلمى في مصر، هذا التكامل ما بين وزارة الدفاع والصحة والتعليم العالى والبحث العلمى، وكذلك وزارة الآثار لأن هناك جزء خاص بالجينوم للقدماء المصريين في المراحل المقبلة من المشروع.
شاركت وزارة الدفاع متمثلة في مركز البحوث الطبية والطب التجديدى، حيث قدمت البنية التحتية المعملية والحاسوبية الآمنة مع الالتزام الكامل بحماية البيانات الجينية المصرية فهى ثروة معلوماتية تندرج تحت أمن قومى، أما وزارة الصحة فساهمت في جمع المتطوعين عبر المستشفيات وفى المستقبل سيكون هناك ربط بين البيانات والعلاج الفعلى للمواطن، وبالطبع أكاديمية البحث العلمى والجامعات وفروا قامات علمية وطنية ساهمت في هذا المشروع، وكذلك المجلس الأعلى للجامعات، عبر لجان الأخلاقيات الحيوية التي تراقب كل خطوة في المشروع ليتم طبقا للمعايير الأخلاقية العلمية والبحثية سواء العالمية أو المصرية.
7- ما هي معايير جمع البيانات من المتبرعين بالجينوم؟
تضمنت معايير جمع العينات أن يكون المتبرع مصري من أصول مصرية أب وأم، لضمان أن يكون جينوم مرجعى لمصر، وأن يكون بالغ 18 عام فأكبر، لكى يوقع على الموافقة المستنيرة، وكذلك تم الأخذ في الاعتبار تمثيل محافظات مصر المختلفة، في هذه المرحلة تمكنا من القيام بذلك في 21 محافظة من أصل 27، وأن يكون هناك توازن بين الذكور والإناث، وأن يكونوا أصحاء لا يعانون من أمراض مزمنة أو أمراض وراثية وقت أخذ العينات، ولا يوجد لهم أقارب من الدرجة الأولى مساهمين، مثل أخ وأخوه أو أب وابنه، حتى لا نعد العينات أكثر من مرة.
8- ماذا تود قوله لكل مصري يساهم بعينته في هذا المشروع؟ وكيف يتم ضمان خصوصية وسرية هذه البيانات؟
عملنا طبقا لقوانين صارمة، بداية من القانون المصري لأبحاث الطب السريري وقانون حماية البيانات الشخصية، وحصلنا على موافقة لجنة الأخلاقيات المركزية، قبل البدء، وهى موافقة واعية لكل تفاصيل المشروع وأن المتطوع يمكنه الانسحاب في أي وقت، وتحفظ البيانات بطريقة مجهولة الهوية للحفاظ على سريتها ومحفوظة على خوادم على أعلى درجة من الحماية.
وأحب أشكر كل من ساهم واهتم بمعرفة بياناته الجينية والمساهمة في مشروع وطنى سيكون له فائدة كبيرة عليه لأنه يبنى مستقبل الصحة في مصر، وإن لم يعود عليه بالفائدة بالتأكيد سيعود على ابنه وأحفاده.
بالأرقام ما حققه بحث الجينوم المصري فى أول مرحلة
9- هل تم استخدام الذكاء الاصطناعى فى تحليل الجينوم؟
استخدمنا خوارزميات متقدمة وعمليات إحصائية خاصة في المرحلة الأولى، لكن نطمح أننا نطور بعض نماذج الذكاء الاصطناعى المصرية التي تكون مدربة فعلا على البيانات التي نخرجها لنتمكن من التشخيص المبكر والتنبؤ بالأمراض واقتراح العلاجات.
10- بمناسبة الحديث عن اقتراح علاج أفضل.. كيف سيمنع مشروع الجينوم كتابة دواء للمريض قد لا يستجيب له جسمه أو يسبب له آثاراً جانبية؟
توجد أدوية حاليا معظمها صممت على شعوب أوروبية، بمعنى أن الجرعة الموحدة ليس بالضرورة أبدا أنها تكون مناسبة لكل مريض مصري، في تأثير للجينات على استجابة المريض للدواء، ويوجد أمثلة شائعة ومعروفة لذلك، فيوجد دواء يستعمل لسيولة الدم بعد الجلطات، وهناك بعض الأشخاص بسبب طفرة جينية لا يحتاجون منه إلا ربع الجرعة المحددة، وآخرين قد يحتاجوا ضعف الجرعة، هذا نتيجة التغير الجيني، فبدون فحص جيني، قد يكون شخص معرض للنزيف والآخر قد يكون عرضة لتكرار هذه الجلطة، ولكن بالجينوم المصري نقدر نعد أول كتالوج مصري للجينات المؤثرة على الأدوية، وفى المستقبل القريب، الدكتور قبل كتابة الروشتة يستطيع إجراء فحص جيني بسيط ومرة واحدة في العمر، فمن خلال فحص بسيط عينة دم 10 ملى يظهر منها الأدوية المناسبة للمريض والجرعات المناسبة والعلاج الذى يستوجب عليه تجنبه لآثاره الجانبية.
11- هل سيساعدنا المشروع في التنبؤ بالأمراض (مثل السكر أو أمراض القلب) قبل حدوثها بسنوات؟
بالتأكيد، هو تحليل واحد يخرج منه تقارير طبية عن كل الأمراض التي يكون هذا الشخص عرضة لها في المستقبل، فنقدر من خلالها، نعرف الخطورة الجينية للأمراض، ومنها السكر، السمنة وضغط الدم وهكذا، وتكون بناء على معايير مصرية وتنبؤات في محلها، ونقدم له النصح والرعاية لتجنب الإصابة.
وهناك بعض الأمراض مثل الفشل الكلوي يمثل عبء كبير على الدولة والمواطن، في حالة التنبؤ بحدوثه يمكن أن نقدم الإرشاد الطبي للمريض الذى يجعله يتجنب الإصابة ويوفر على الدولة ملايين الجنيهات.
الرعاية الصحية ومشروع الجينوم
12- فى النهاية، ما هى الخطوات المستقبلية للمشروع؟
يهدف المشروع إلى 100 ألف مواطن في 2032، ففى الخطوات الماضية كنا نأسس ونعمل على البنية التحتية وجمعنا 1024 كمجرد بداية فقط، وكان العدد 1035 ولكن تم فلترة العينات وحذفنا الأقارب، ونشرنا المعلومات الآن كنوع من الشفافية وحجز زاوية نكمل منه وسيكون المعدل أسرع لجمع الـ100 ألف عينة.
مشروع الجينوم فى عدد اليوم السابع
مركز البحوث الطبية والطب التجديدى المسئول عن معامل الجينوم المصرى
سيلفى الفريق البحثى للـ"جينوم" من شباب حديثى التخرج