استقبل الملك فاروق فى قصر القبة نقيب الأشراف محمد الببلاوى، ليتسلم منه تقرير نقابة الأشراف عن ثبوت نسب فاروق إلى «آل البيت»، وفقا لجريدة «الأهرام» فى تقريرها «الفاروق يجمع بين مجد الملك وشرف النسب»، والمنشور فى 6 مايو، مثل هذا اليوم، 1952.
شرح نقيب الأشراف اكتشافه، قائلا: «إن سعادة حسين الجندى باشا وزير الأوقاف الأسبق أثناء توليه الوزارة لاحظ أن اسم المغفور له «محمد شريف باشا» الكبير يبدأ باسم السيد «محمد شريف»، فدعاه ذلك إلى الاتصال بى، وبحث الأسانيد الموجودة بالوزارة والموضوعات التاريخية، فدل البحث على أن تلقيب «شريف باشا» بلقب «السيد» منشأه أنه من سلالة الإمام الحسين بن على «رضى الله عنه»، وثبت لنقابة الأشراف صحة هذا النسب، وأصدرت قرارا بثبوت نسب حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم إلى السلالة النبوية الشريفة.
قرأ «الببلاوى» قرار النقابة الذى جاء فيه، أنها قررت صحة نسب حضرة صاحب الجلالة السيد «فاروق الأول» ملك مصر والسودان ابن السيدة «نازلى» بنت السيدة «توفيقة»، بنت السيد «محمد شريف باشا»، ابن السيد «أحمد سعيد» إلى الإمام سيد ومولانا الإمام «عبدالله الحسين السبط»، ابن سيدتنا «فاطمة الزهراء»، بنت سيدنا ومولانا محمد رسول الله المصطفى الأمين بالشهرة والتواتر، وأعقب جلالته حضرة صاحب السمو الملكى الأمير أحمد فؤاد ولى عهد مصر والسودان، وأمير الصعيد وأميرنا بتسجيله بسجل الأنساب.
جعلت القصة نقيب الأشراف حديث مصر كلها، بوصف مجلة «آخر ساعة» فى عددها 916، يوم 14 مايو 1952، وفى حوارها مع «النقيب محمد الببلاوى»، قال إن المسألة عنده تعود إلى عام 1922 عندما بعث به السلطان فؤاد إلى استانبول ليبحث عن الكتب القديمة والمخطوطات التى يمكن أن تنقل إلى دار الكتب المصرية، وحاول طوال فترة إقامته هناك أن يبحث فى الكتب القديمة عن نسب محمد شريف باشا، وغيره من الكبراء، خاصة أنه يعلم أن «شريف باشا» معروف منذ زمن بنسبه إلى البيت النبوى الكريم، لكنه عاد من استانبول دون أن يعثر على شىء، واستمر يبحث عما يريده فى القاهرة، ويضيف الببلاوى: بعد أعوام استدعانى المرحوم أحمد حسنين باشا «رئيس الديوان الملكى»، وعرض علىّ ساعة ذهبية قديمة محفوظة فى قصر شريف، وكان منقوشا عليها: «السيد محمد شريف»، لكن الساعة لم تكن تكفى كدليل على صحة النسب لعدم ثبوت تاريخ الاسم المنقوش عليها.
ويذكر «الببلاوى» أنه ظل يوالى البحث حتى اتصل به حسين الجندى باشا وزير الأوقاف السابق، ليقول له إنه عثر على فرمانات قديمة تثبت النسب، ويضيف: «أمسكت بالخيط حتى وصلت إلى أن السيد محمد شريف توبعت بالشهرة والتواتر»، وقال: «الناس تسألنى، هل يصح إثبات النسب عن طريق الأم؟، وأنا أقول لهم: نعم، ونحن لدينا طريقتان لإثبات النسب للأشراف، الأولى عن طريق الأوراق والمستندات التى تثبت نسب الآباء والأجداد حتى فاطمة الزهراء، والثانية هى إثبات النسب بوساطة الحكم على اسم واحد يكون اشتهر بأنه «شريف» على أن تكون الشهرة ثابتة من عهد قديم».
كان للحدث صدى قويا على المستوى السياسى، فعلى سبيل المثال استقبله مصطفى النحاس باستنكار، ووصفه فى مذكراته «ربع قرن من السياسة فى مصر»، دراسة وتحقيق أحمد عز الدين: «خبر مؤسف مضحك، هو إلى الهزل أقرب منه إلى الجد، بل هو إلى الغفلة أقرب إلى التعقل»، ويضيف متعجبا: «قالت الصحف إن جلالة الملك المعظم ينتسب من جهة والدته الملكة نازلى بنت عبدالرحيم صبرى إلى الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، فاروق ابن نازلى التى يتصل نسبها بلاظوغلى يصبح بين عشية وضحاها من آل البيت النبوى الكريم، ويتصل نسبه الشريف بخاتم الأنبياء»، ويعلق النحاس: ضحكت حتى لم أضحك طوال حياتى، وتذكرت المثل «اللى يعيش يا ما يشوف».
تضع الدكتور لطيفة سالم فى كتابها «فاروق الأول وعرش مصر» هذه القصة فى سياق أشمل من مجرد العثور على نسب «فاروق» إلى الأشراف، قائلة إن كريم ثابت مستشار الملك شارك وزير الأوقاف الأسبق حسين الجندى فى هذا البحث، وتم إدخال كلمة «السيد» على الدعاء لفاروق فى المساجد، وتضيف: «كان ذلك من سخريات القدر، بأن سليل آل البيت يغوص فى الملذات».
وتضيف «سالم»، أن فاروق كان يحاول استعادة شعبيته المفقودة، بربط نفسه بقضايا ذات طابع دينى، مثل الحرص على حضور المناسبات الدينية، وأمره بقيام صلاة خاصة من أجل القضية الإندونيسية، حيث كانت قوات الاحتلال الهولندى تشن عمليات حربية ضد شعب الإندونيسى فى مقاومته من أجل الاستقلال، وجاءت مسألة نسبه إلى الأشراف فى هذا السياق، لكن «جاء كل ذلك بنتيجة عكسية، فصورته الخاصة امتلأت بأنواع اللهو المختلفة».