لم يكن توظيف الدين في المجال السياسي لدى جماعة الإخوان الإرهابية مجرد مرحلة مرتبطة بظرف تاريخي أو استحقاق انتخابي، بل ظهر كأداة مركزية في عمليات الحشد والتأثير منذ دخولها العلني في المشهد السياسي بعد عام 2011، فقد اتضح خلال استفتاء التعديلات الدستورية في مارس 2011، ثم استفتاء دستور 2012، أن الخطاب الديني لم يكن مجرد خلفية ثقافية أو خطابًا عامًا، بل كان عنصرًا مباشرًا في توجيه السلوك السياسي للناخبين، عبر ربط القرارات السياسية بمفاهيم دينية تتعلق بالثواب والعقاب.
في تلك المرحلة، جرى تقديم التصويت بـ"نعم" باعتباره خيارًا دينيًا صحيحًا، يرتبط بالشريعة والاستقرار، بينما تم تصوير التصويت بـ"لا" على أنه موقف سلبي يتعارض مع هذا التوجه، وقد ساهم هذا الخطاب في خلق حالة من الاستقطاب الحاد داخل المجتمع، حيث لم يعد النقاش يدور حول تفاصيل دستورية أو سياسية، بل حول تصورات دينية مشحونة، وصلت إلى ربط "نعم" بمفهوم الجنة و"لا" بمفهوم النار، وهو ما يعكس حجم التأثير العاطفي والديني على المشهد آنذاك.
ومع استفتاء دستور 2012، تكررت نفس الآلية ولكن بصورة أكثر تنظيماً واتساعًا، حيث تم تقديم الدستور باعتباره خطوة في مسار الشرعية الدينية، بينما جرى تصوير رفضه باعتباره رفضًا لمشروع ديني شامل، ما أدى إلى تعميق حالة الانقسام السياسي والاجتماعي، وتحويل الخلاف حول نصوص دستورية إلى خلاف ذي طابع عقائدي.
ولم يتغير نمط الجماعة الإرهابية في إستغلالهم للدين من أجل وصولهم إلى أهداف سياسية وأرباح خاصة، وهو ما نراه حاليا في الفضاء الرقمي، حيث ظهرت منصات إعلامية تعمل على إعادة إنتاج نفس الخطاب ولكن بأدوات حديثة تتناسب مع طبيعة العصر الرقمي.
ولعل من أبرز ما يتداول في هذا السياق هو ما تذكره الوثيقة السياسية بمنصة "ميدان" الإخوانية والتي لا تقتصر على المحتوى السياسي فقط، بل تستند أيضًا إلى وثائق فكرية تُستخدم في صياغة رؤيتها العامة.
حيث تشير الوثيقة السياسية إلى أن: "نؤمن بأن الإسلام هو دواء جميع مشاكلنا المعاصرة وأساس نهضتنا المرتقبة"، وتعكس هذه الصياغة استمرار فكرة تقديم رؤية شاملة تعتبر الدين الإطار التفسيري والحل النهائي لمختلف القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ويُظهر الربط بين مرحلة الاستفتاءات والخطاب الرقمي الحالي أن الأدوات تغيرت، لكن الفكرة الأساسية بقيت كما هي متمثلة في استخدام الدين كوسيلة مركزية في تشكيل الوعي السياسي وتوجيهه، ففي الماضي كان التأثير يتم عبر المنابر والشارع وصناديق الاقتراع، بينما يتم اليوم عبر المنصات الرقمية، والمحتوى السريع، والوثائق المنشورة إلكترونيًا، ما يجعل الرسائل أكثر انتشارًا وأسرع وصولًا.
وفي هذا السياق قال إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، إن ما تقوم به جماعة الإخوان الإرهابية من إعادة تدوير لخطاب "نعم للجنة" عبر الفضاء الرقمي ومنصات مثل "ميدان" الإخوانية يعكس استمرار نفس النهج القديم في توظيف الدين كأداة للحشد والتأثير السياسي، ولكن بأدوات أكثر حداثة تتناسب مع طبيعة الإعلام الرقمي.
وأضاف "ربيع" أن الجماعة الإرهابية لم تتخل عن استراتيجيتها القائمة على خلط الديني بالسياسي، بل أعادت تقديمها في صياغات جديدة تستهدف التأثير على الوعي العام، خصوصًا لدى فئة الشباب، من خلال محتوى رقمي سريع الانتشار يوظف اللغة الدينية كوسيلة لإعادة تشكيل الإدراك السياسي والاجتماعي.
وشدد ربيع على أن إعادة إنتاج نفس الأسلوب عبر منصات رقمية حديثة لا يغير من جوهر الفكرة، وإنما يعيد تقديمها بشكل أكثر مرونة وانتشارًا، ما يستدعي وعيًا مجتمعيًا أكبر في التعامل مع هذا النوع من المحتوى وعدم الانسياق وراء إعادة توظيف الدين في معارك سياسية.