لم يكن خبر رحيل هاني شاكر مجرد خبر عابر بالنسبة لي، بل كان لحظة توقفت فيها الذاكرة قليلًا لتسترجع سنوات كاملة من المشاعر والأغاني التي شكلت جزءًا من طفولتي ومراهقتي. أنا من جيل التسعينات، الجيل الذي كبر على صوته، وحفظ كلماته قبل أن يفهم معنى الحب أو الفراق.
في بيتنا، لم تكن الأغاني مجرد خلفية يومية، بل كانت جزءًا من تفاصيل الحياة. أتذكر جيدًا أول مرة أمسكت فيها ألبومًا غنائيًا اشتريته لي والدتي، وكان ألبوم "تخسري". يومها شعرت أنني أمتلك شيئًا خاصًا بي، عالمًا صغيرًا أدخله كلما أردت أن أهرب من ضجيج الواقع أو أبحث عن إحساس يشبهني. ومن يومها، صار صوت هاني شاكر رفيقًا دائمًا.
كان صوته مختلفًا… دافئًا، صادقًا، يحمل حزنًا خفيفًا يشبهنا، ويُشبه تلك المرحلة التي كنا نحاول فيها فهم مشاعرنا لأول مرة. لم يكن مجرد مطرب، بل كان حالة، وجزءًا من ذاكرة جيل كامل تربى على الرومانسية الهادئة، بعيدًا عن الصخب.
برحيله، لا نفقد فنانًا فقط، بل نفقد قطعة من زمن جميل، زمن كانت فيه الأغنية تُحكى وتُعاش، لا تُستهلك سريعًا. نفقد صوتًا كان يعبر عنا حين تعجز الكلمات، ويواسينا حين لا نجد من نفصح له عما بداخلنا.
ربما سيرحل الجسد، لكن الأغاني لا ترحل. ستظل باقية، تُعاد في ليالٍ طويلة، أو تُسمع صدفة فتأخذنا إلى أيام أبسط، إلى ذكريات دافئة مع أمهاتنا، ومع أنفسنا الصغيرة التي كانت تحلم دون خوف.
وداعًا هاني شاكر… شكرًا لأنك كنت صوتًا لقلوبنا في وقت لم نكن نعرف فيه كيف نعبر عنها.