سمر حلمى تكتب: ماراثون الثانوية العامة.. وحقيقة سوق العمل المتغير

الأحد، 31 مايو 2026 03:45 م
سمر حلمى تكتب: ماراثون الثانوية العامة.. وحقيقة سوق العمل المتغير سمر حلمى

مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تتحول البيوت إلى ساحات من القلق والتوتر، ويصبح الحديث اليومي داخل الأسر عن الدرجات والتنسيق والكليات، وكأن مستقبل الإنسان كله يتوقف على بضعة امتحانات تُحدد مصيره للأبد. يعيش الطلاب تحت ضغط نفسي هائل، وتزداد مشاعر الخوف من الفشل، حتى باتت الثانوية العامة في نظر كثيرين معركة حياة أو موت، وليست مجرد مرحلة دراسية عابرة.

ورغم أهمية هذه المرحلة، فإن المشكلة الحقيقية تكمن في الطريقة التي ينظر بها المجتمع إليها؛ فالبعض يربط النجاح في الحياة بمجموع الثانوية العامة فقط، وكأن الأرقام وحدها قادرة على تحديد قيمة الإنسان أو مستقبله المهني.
ومع الوقت، تتحول الدرجات إلى معيار اجتماعي يُقاس به التفوق والطموح، بينما يتم تجاهل عوامل أكثر أهمية مثل المهارات والقدرة على التطور والاجتهاد الحقيقي.
لكن الواقع العملي يثبت يومًا بعد يوم أن سوق العمل لا يسير دائمًا بنفس القواعد التي تحكم الثانوية العامة. فبعد سنوات الدراسة، يكتشف كثيرون أن النجاح المهني لا يعتمد فقط على اسم الكلية أو مجموع الامتحانات، وإنما على امتلاك مهارات حقيقية، مثل التواصل، والتعلم المستمر، والقدرة على التكيف، والإبداع، وتحمل المسؤولية.

ومع هذا التغير السريع، أصبح سوق العمل نفسه مختلفًا عن الماضي؛ فلم تعد الشهادات وحدها كافية لضمان النجاح أو الحصول على فرصة مميزة، بل أصبحت الشركات والمؤسسات تبحث عن الشخص القادر على التعلم والتطور واكتساب مهارات جديدة باستمرار.

فالتكنولوجيا غيّرت طبيعة الوظائف، وظهرت مهن لم تكن موجودة من قبل، بينما اختفت أو تراجعت وظائف أخرى كانت تُعد الأكثر استقرارًا. لذلك، لم يعد المستقبل مرتبطًا بمجموع الطالب فقط، وإنما بقدرته على التكيف مع المتغيرات، وتطوير نفسه، واستثمار مهاراته بالشكل الصحيح.

كم من أشخاص حصلوا على مجاميع مرتفعة، لكنهم لم يستطيعوا تحقيق نجاح حقيقي في حياتهم العملية، وكم من آخرين لم يحصدوا الدرجات التي كانوا يحلمون بها، ثم تمكنوا لاحقًا من بناء مسارات ناجحة بفضل الاجتهاد واكتشاف قدراتهم الحقيقية. فالحياة أكبر بكثير من امتحان، وسوق العمل أكثر تعقيدًا من مجرد شهادة معلقة على الحائط.

كما أن العالم اليوم تغير بصورة كبيرة؛ فلم تعد الوظائف التقليدية وحدها هي الطريق للنجاح، بل ظهرت مجالات جديدة تعتمد على المهارة والخبرة والابتكار أكثر من اعتمادها على التقديرات الدراسية فقط. وأصبح التعلم الذاتي، والتطوير المستمر، واكتساب الخبرات العملية، عوامل أساسية في بناء المستقبل.

وهذا لا يعني التقليل من أهمية الثانوية العامة أو الدعوة إلى الإهمال، بل على العكس، فهي مرحلة مهمة تحتاج إلى الاجتهاد والتركيز، لكنها ليست النهاية، وليست الحكم النهائي على قدرات الإنسان أو فرصه في الحياة. فالضغط النفسي المبالغ فيه قد يحول سنوات الدراسة إلى عبء ثقيل يفقد الطالب ثقته بنفسه، بدلًا من أن تكون خطوة طبيعية في رحلة طويلة من التعلم والتطور.


فالحياة مليئة بالفرص، والنجاح الحقيقي لا يصنعه امتحان واحد، بل يصنعه الإصرار، والعمل، والقدرة على الاستمرار رغم العثرات.

وفي النهاية، تبقى الثانوية العامة مجرد مرحلة، قد تفتح أبوابًا معينة، لكنها لا تغلق الحياة أمام أحد. فالمستقبل لا يكتبه رقم في شهادة، وإنما يكتبه الإنسان بنفسه، كل يوم، بما يتعلمه، ويطوره، ويؤمن أنه قادر على تحقيقه.

 


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة