في عالم لا تطلق فيه الرصاصات من البنادق فقط، بل من الشاشات والهواتف والمنصات الرقمية، ظهرت واحدة من أخطر أدوات الحرب الحديثة التي تعتمد عليها جماعة الإخوان الإرهابية في معركتها الممتدة ضد الدولة المصرية، وهي ما يعرف باللجان الإلكترونية، جيوش رقمية تعمل في الظل، تتحرك وفق تعليمات دقيقة، وتُدار بهدف واحد: صناعة الفوضى الرقمية وتوجيه الرأي العام عبر الأكاذيب والضجيج المفتعل.
هذه اللجان لم تعد مجرد حسابات فردية أو نشاط عشوائي على مواقع التواصل، بل منظومة منظمة تعتمد على توزيع الأدوار، وتوقيت النشر، وإعادة تدوير المحتوى، وصناعة موجات متتالية من التفاعل المصطنع، بهدف دفع روايات محددة إلى واجهة "الترند" وإظهارها وكأنها حقيقة متداولة أو قضية رأي عام.
غرف إدارة رقمية تتحرك بتوقيت واحد
تعتمد الجماعة الإرهابية في عملها الإلكتروني على ما يشبه غرف إدارة محتوى، تعمل بتنسيق شبه لحظي، يتم فيها تحديد الموضوعات المستهدفة يوميًا، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو خدمية، ثم يتم توزيعها على عشرات أو مئات الحسابات في وقت واحد.
هذه الحسابات لا تتحرك بشكل فردي، بل وفق نمط متكرر من النشر والتعليق وإعادة المشاركة، ما يخلق حالة من الضجيج المصطنع الذي يوحي بوجود رأي عام واسع، بينما هو في الحقيقة نتيجة تنسيق مسبق داخل غرف مغلقة.
صناعة الترند.. من الشائعة إلى الضغط الرقمي
الهدف الأساسي لهذه المنظومة ليس مجرد نشر الأخبار، بل السيطرة على "الترند" وتحويل الشائعة إلى قضية متداولة على نطاق واسع، عبر خطوات متدرجة تبدأ بإطلاق معلومة مضللة أو فيديو مجتزأ، ثم إعادة نشره بشكل مكثف، ثم تضخيمه عبر حسابات داعمة، وصولًا إلى إدخاله قوائم الأكثر تداولًا.
وبمجرد وصول الموضوع إلى مرحلة الانتشار، يتم تعزيز الرواية نفسها بمحتوى إضافي، سواء بصور مفبركة أو تعليقات عاطفية أو مقاطع قديمة تقدم على أنها حديثة، في محاولة لصناعة واقع رقمي موازٍ للواقع الحقيقي.
إعادة تدوير الأكاذيب كمنهج ثابت
أخطر ما تعتمد عليه هذه اللجان ليس فقط صناعة الشائعة، بل إعادة تدويرها بشكل مستمر، فالفكرة الواحدة قد تظهر في أكثر من صيغة، وبأكثر من حساب، وعلى فترات زمنية مختلفة، بهدف ترسيخها في الوعي العام.
هذا التكرار المقصود يجعل بعض المتابعين يتعاملون مع المعلومة المضللة باعتبارها حقيقة، خاصة مع انتشارها عبر حسابات متعددة تبدو غير مرتبطة، بينما هي في الحقيقة جزء من شبكة واحدة تعمل بتوجيه موحد.
استهداف الدولة عبر ملفات خدمية ومعيشية
تركز اللجان الإلكترونية على الملفات التي تمس حياة المواطنين اليومية، مثل الكهرباء والوقود والمواصلات والخدمات الحكومية، حيث يتم تضخيم أي واقعة فردية أو مشكلة محدودة وتحويلها إلى أزمة عامة.
ويتم استخدام أسلوب التعميم المضلل، عبر تحويل حادث محدود إلى دليل على انهيار شامل، بهدف إثارة الغضب والتشكيك في قدرة الدولة على الإدارة، رغم أن الواقع غالبًا ما يكون عكس ما يتم ترويجه.
المحتوى العاطفي كسلاح رئيسي
تعتمد هذه المنظومة بشكل كبير على المحتوى العاطفي، سواء من خلال مقاطع فيديو مؤثرة أو صور صادمة أو عبارات حادة، لأن الهدف الأساسي ليس تقديم معلومة دقيقة، بل التأثير النفسي السريع على المتلقي.
ويتم اختيار التوقيت بعناية، بحيث تطلق الحملات في أوقات الذروة على مواقع التواصل، لضمان أعلى نسبة انتشار وتفاعل، ثم يتم ضخ موجات متتالية من التعليقات لإبقاء الموضوع في دائرة الاهتمام لأطول فترة ممكنة.
التنسيق بين الحسابات كأنه صوت واحد
من أبرز سمات عمل اللجان الإلكترونية هو التشابه اللافت في اللغة المستخدمة والرسائل المطروحة، رغم اختلاف الحسابات والواجهات، وهو ما يكشف وجود تنسيق مسبق يحدد السردية المطلوبة لكل حملة.
هذا التشابه لا يظهر فقط في المحتوى، بل في طريقة صياغة الجمل، واستخدام نفس المصطلحات، وتكرار نفس الاتهامات، وكأن هناك نصًا واحدًا يتم توزيعه على الجميع مع تعديلات بسيطة.
من السوشيال ميديا إلى الحرب النفسية
لم تعد هذه الحملات مجرد نشاط رقمي، بل تحولت إلى أداة حرب نفسية تهدف إلى استنزاف ثقة المواطن في واقعه، عبر خلق حالة مستمرة من الشك والتشويش والإحساس الدائم بالأزمة.
وتعتمد هذه الاستراتيجية على فكرة بسيطة لكنها خطيرة وهي تكرار الرسالة السلبية حتى تصبح مألوفة، ثم قابلة للتصديق، ثم جزءًا من النقاش العام، حتى لو كانت بلا أساس من الصحة.
منظومة لا تبحث عن الحقيقة بل عن الفوضى
النتيجة النهائية لهذه المنظومة أنها لا تعمل على نقل الحقيقة، بل على صناعة فوضى معلوماتية متعمدة، تختلط فيها الأخبار الصحيحة بالمزيفة، والمحتوى الحقيقي بالمفبرك، بما يخلق حالة من التشويش العام.
ورغم تغير الأدوات وتطور المنصات، فإن الهدف يظل ثابتًا يتمثل في الضغط المستمر عبر الرأي العام الرقمي، وإرباك المشهد الداخلي، ومحاولة التأثير على وعي المواطنين عبر موجات متتالية من التضليل المنظم.
وتكشف تجربة اللجان الإلكترونية التابعة للجماعة الإرهابية أن المعركة لم تعد على الأرض فقط، بل أصبحت معركة على الوعي نفسه، تُدار فيها المعلومات كسلاح، والترند كهدف، والرأي العام كساحة مواجهة مفتوحة لا تهدأ.