لعل مصر كلها تترقب صدور قانون الأحوال الشخصية الجديد، بعد أن عانت الكثير من الأسر قصوراً شديداً في القوانين والتعديلات التي عفا عليها الزمن، وكان بعضها يعود إلى أوائل القرن الماضي، كما شهد المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة الكثير من المشاكل والخلافات المعقدة بسبب عدم توائم القوانين مع تطورات الحياة الاجتماعية، وقد أثر كل هذا تأثيراً مباشراً على كثير من العائلات في مصر، بل ربما لم يخلُ بيت من حالة طلاق على الأقل، بل أكثر من حالة أحياناً، وهو ما يجعلنا نأمل أن يعيد القانون الجديد ترتيب أوضاع الأسرة المصرية، التي أصابها ما أصاب المجتمع من خلل قيمي وأخلاقي. لا شك أن المواد التي تم تداولها حتى الآن تنبئ عن إيجابيات عديدة كفيلة بسد كثير من ثغرات القوانين والتشريعات السابقة.
لقد قرأت بعض مسودات هذه المواد التي يتضمنها القانون الجديد والذي يتكون من ٣٥٥ مادة ، وعلى الرغم من أنها تحاول تغطية معظم المشاكل التي واجهها المجتمع في السنوات الماضية ، لكنه أيضا يوسع من تحميل الجهاز القضائي خاصة محاكم الأسرة أعباء جديدة ربما تكون سبباً في تأخر صدور الأحكام ، وتلك من أكثر المشكلات التي تواجه المتقاضين في محاكم الأحوال الشخصية، وبالتالي يجب أن تنص المواد على فترة زمنية محددة .
كما أن المشكلة الأهم في مثل هذه الحالات هي ما يخص مسكن الزوجية والإنفاق أيضا، فالبنسبة لمسكن الزوجية فهو يهتم فقط بالحاضنة ويمَّكنها الاحتفاظ به أو توفير غيره من خلال ملحق مع وثيقة الزواج ينص على التوافق بما ارتضاه الطرفان ، على الرغم من أن القرآن الكريم قد حسم هذا الأمر في (سورة الطلاق) ، في آيتها الأولى، حيث يقول سبحانه وتعالى: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِىُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ ٱلنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا۟ ٱلْعِدَّةَ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّآ أَن يَأْتِينَ بِفَـٰحِشَةٍۢ مُّبَيِّنَةٍۢ ۚ وَتِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ ٱللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُۥ ۚ لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًۭا .
ربما قرنها المفسرون بعدة الطلاق فقط ، التي تبلغ ثلاثة أشهر، لكن الآية واضحة وصريحة وحاسمة ، وهو ما يعني أن الزوجة يجب أن تحتفظ بمسكن الزوجية، خاصة إذا ما كان وقوع الطلاق على غير رغبتها أو لأمر لا تتحمله من الزوج ، وهو ما يوفر حياة مستقرة للأسرة المقبلة على الانقسام . كما أن القانون لم يتطرق إلى الزوجة التي لم تنجب خاصة إذا لم يكن لها دخل ثابت ، وقد تناولته منذ عشرات السنين الأستاذة حسن شاه في قصتها الرائعة ( أريد حلاً) ، ولا تزال نفس المشكلة قائمة.
أما عن الإنفاق، وهو ما سيتم التوافق عليه أيضا من خلال ملحق وثيقة الزواج، فبعض الرجال يتفنون في إزلال زوجاتهم وحتى أبنائهم من أجل النفقة التي ما تزال تشكل مبالغ هزيلة لا تتوافق مع هذا الزمن ، وتكون وسيلتهم للانتقام حتى وإن كان الأبناء يدفعون الثمن، بداية من تقديم وثائق غير حقيقية عن دخلهم مروراً بالتهرب وعدم الإلتزام وصولاً إلى التقاعس واللامبالاة.
هناك الكثير من الأمور التي يترقبها الجميع، والتي تتصل اتصالاً مباشراً باستقرار الأسرة وصحتها النفسية، وهو الهدف النبيل الذي يصبو إليه المجتمع كله والذي تعمل القوانين على تحقيق العدالة من أجل الوصول إليه .. دعواتنا بالتوفيق لكل الجهات التشريعية والتنفيذية والقضائية التي نعول عليها كثيراً من رفعة هذا الوطن.