لم يعد السؤال الحقيقي في الشرق الأوسط اليوم: هل تقع الحرب؟ بل: من يمتلك القدرة على منع الانفجار من دون أن يخسر موقعه داخل خرائط القوة الجديدة؟
فالمنطقة تدخل مرحلة مختلفة تماماً من تاريخها السياسي والأمني؛ مرحلة لم تعد فيها الصراعات مجرد نزاعات حدودية أو مواجهات أيديولوجية تقليدية، بل تحولت إلى جزء من عملية أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه، في ظل تصاعد التنافس الأمريكي ـ الصيني، واستمرار الحرب في أوكرانيا، وتراجع القدرة الغربية على فرض نظام أحادي القطبية كما كان الحال بعد نهاية الحرب الباردة.
ومن هنا تبدو المواجهة الأمريكية ـ الإيرانية، بكل أبعادها العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية، أكبر كثيراً من خلاف حول برنامج نووي أو نفوذ إقليمي؛ إنها صراع يتصل بمستقبل موازين القوة العالمية، وأمن الطاقة، والسيطرة على الممرات البحرية، وحدود النفوذ الصيني، وشكل النظام الدولي القادم.
وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبدو مصر ودول الخليج العربي الطرف الأكثر إدراكاً لطبيعة التحول الجاري؛ ليس فقط بحكم الجغرافيا السياسية، وإنما بحكم موقعهما داخل معادلة الاستقرار العالمي ذاتها.
فالعالم لم يعد ينظر إلى الخليج باعتباره مجرد خزان للطاقة، بل باعتباره مركزاً حيوياً لأمن التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً بعد اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر وتأثيرها المباشر على حركة التجارة وأسعار الشحن والطاقة عالمياً. كما استعادت مصر موقعها بوصفها محوراً استراتيجياً يربط بين البحر الأحمر وشرق المتوسط وإفريقيا والخليج، في لحظة تتزايد فيها أهمية الممرات البحرية بصورة غير مسبوقة، سواء اقتصادياً أو عسكرياً.
كما لا يمكن فصل مستقبل التوازنات الإقليمية عن الدور الإسرائيلي المتصاعد، سواء عبر الحرب في غزة، أو التحولات الأمنية في البحر الأحمر وشرق المتوسط، أو من خلال التأثير الإسرائيلي المتزايد في الحسابات الأمريكية والإقليمية، بما يجعل أي تصور لاستقرار المنطقة ناقصاً من دون إدخال هذا العامل في معادلات الأمن والتوازن.
لهذا، لم يعد خيار القاهرة والرياض وأبوظبي قائماً على الانخراط الكامل في المحاور بقدر ما أصبح قائماً على إدارة التوازنات. فهذه العواصم تدرك أن النظام الدولي يتجه نحو سيولة سياسية واستراتيجية غير مسبوقة، وأن الانحياز الكامل لأي محور دولي يحمل مخاطر تحويل المنطقة إلى ساحة صراع بالوكالة، بينما يمنحها التوازن مساحة أوسع لحماية مصالحها الوطنية وتعظيم قدرتها على المناورة.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الخليجية الهادئة تجاه إيران، ومحاولات خفض التصعيد الإقليمي بالتوازي مع الحفاظ على الشراكات الأمنية مع الولايات المتحدة. كما يمكن فهم الحراك المصري في ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان وشرق المتوسط باعتباره جزءاً من رؤية أشمل لإعادة إنتاج الاستقرار الإقليمي، لا مجرد إدارة أزمات منفصلة.
لكن، ورغم اتساع هامش الحركة أمام القاهرة والعواصم الخليجية، فإن قدرة هذه الدول على التأثير تبقى مرتبطة بتوازنات دولية معقدة، وبحجم الاعتماد الأمني والاقتصادي المتبادل مع القوى الكبرى، ما يجعل إدارة التوازنات عملية دقيقة وليست سيطرة كاملة على مسار الأحداث.
واللافت أن الشرق الأوسط يشهد للمرة الأولى منذ عقود تراجعاً تدريجياً لفكرة “التحالفات الصلبة” لصالح ما يمكن وصفه بـ”إدارة المصالح المرنة”. فالدول لم تعد تبني سياساتها على العداء المطلق أو التحالف المطلق، وإنما على حسابات أكثر تعقيداً ترتبط بالاقتصاد والتكنولوجيا والطاقة والأمن البحري والاستقرار الداخلي.
كما أن قدرة دول المنطقة على لعب أدوار توازنية فعالة تبقى مرتبطة بقدرتها على تحقيق استقرار اقتصادي داخلي، وتقليل الضغوط الاجتماعية، وبناء نماذج تنموية أكثر استدامة، لأن النفوذ الإقليمي لم يعد يُقاس فقط بالقوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدول على الحفاظ على تماسكها الداخلي وسط عالم سريع الاضطراب.
وفي هذا السياق، تبدو مصر والخليج أمام فرصة تاريخية لصياغة نموذج عربي جديد في إدارة التوازنات؛ نموذج لا يقوم على الشعارات أو الاستقطابات الحادة، بل على بناء قوة اقتصادية وسياسية قادرة على تحويل الاستقرار ذاته إلى مصلحة دولية مشتركة.
لكن هذا المسار يظل محفوفاً بالمخاطر. فالمنطقة ما تزال تتحرك فوق طبقات كثيفة من الهشاشة؛ أي خطأ عسكري في الخليج، أو انهيار مفاجئ لمسارات التفاوض مع إيران، أو اتساع دائرة التوتر في البحر الأحمر، قد يدفع الشرق الأوسط إلى موجة تصعيد تتجاوز قدرة الجميع على الاحتواء.
كما أن خطورة المرحلة الحالية لا ترتبط فقط بالقرارات الكبرى، بل أيضاً بإمكانية الانزلاق إلى مواجهات غير محسوبة نتيجة سوء التقدير، أو التصعيد المتبادل، أو ضغوط الداخل السياسي لدى مختلف الأطراف، وهو ما يجعل هامش الخطأ في المنطقة أكثر خطورة من أي وقت مضى.
والتحدي الأخطر لا يتعلق فقط بمنع الحرب، بل بمنع تحول المنطقة إلى ساحة استنزاف مفتوحة بين القوى الكبرى، خصوصاً مع تصاعد التنافس الأمريكي ـ الصيني، ومحاولة كل طرف توظيف أزمات الشرق الأوسط لتحسين موقعه داخل النظام الدولي الجديد.
ولهذا، فإن الرهان الحقيقي لمصر ودول الخليج خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط في امتلاك أدوات الردع، وإنما في امتلاك القدرة على هندسة التوازنات الإقليمية، وتحويل الاستقرار إلى مصلحة استراتيجية للقوى الكبرى نفسها.
فالشرق الأوسط لم يعد يملك رفاهية الحروب الطويلة، ولا القوى الكبرى تملك ضمانات السيطرة على نتائج أي انفجار إذا وقع. ولهذا قد تصبح القدرة على منع الصدام، لا خوضه، هي معيار القوة الحقيقي في النظام الإقليمي الجديد.
فالمنطقة تقف اليوم أمام احتمالين لا ثالث لهما: إما أن تتحول إلى مركز لإدارة المصالح الدولية عبر الاستقرار والتنمية والتوازن، أو أن تعود مجدداً إلى منطق الحروب المفتوحة وإعادة رسم الخرائط بالقوة.
وفي عالم يعاد تشكيله بعنف، قد لا تكون القوة الحقيقية في إشعال المعارك، بل في القدرة على منعها من الأنفجار قبل ان تبتلع الجميع