عيد أضحى بلا مخلفات جلود.. قصص أبطال الفجر لا تعرف النوم.. كيف نجحت الأحياء فى ترويض 100 ألف طن من نفايات الأضاحى؟ تجارب الجمع السكنى الذكى ترسم لوحة حضارية بالميادين .. ووعي المواطن كلمة السر فى عبور الزحام

الجمعة، 29 مايو 2026 04:00 م
عيد أضحى بلا مخلفات جلود.. قصص أبطال الفجر  لا تعرف النوم.. كيف نجحت الأحياء فى ترويض 100 ألف طن من نفايات الأضاحى؟ تجارب الجمع السكنى الذكى ترسم لوحة حضارية بالميادين .. ووعي المواطن كلمة السر فى عبور الزحام جلود الأضاحى

كتبت منال العيسوى

في الرابعة فجراً من أول أيام العيد، وبينما يغرق الجميع في نوم هادئ استعداداً لصلاة العيد، كان "عم صبحي" عامل نظافة بأحد أحياء القاهرة الكبرى يرتدي سترته الفسفورية ممسكاً بمكنسته الحديدية،  لم يكن صبحي وحده، بل خلفه جيش من أبطال الظل الذين قرروا أن تكون فرحتهم هي نظافة الشارع.

عمال النظافة فجر العيد
 

يقول صبحي وعيناه ترصدان كل زاوية في الميدان المطور حديثا :" العيد بالنسبة لنا تحدي كرامة فبعد أن جَمّلت الدولة هذه الميادين، لا يمكن أن نسمح لمخلفات الأضاحي أن تشوهها،  نحن هنا لنثبت أن العامل المصري قادر على صنع المعجزة إذا توفرت له المنظومة الذكية.

قصص هؤلاء الأبطال هي التي حولت كابوس المخلفات السنوي إلى ملحمة نجاح تحت شعار الصفر مخلفات

100 ألف طن تحت المجهر

تشير التقديرات الرسمية إلى أن مخلفات الأضاحي في مصر خلال أيام العيد الأربعة تتجاوز حاجز الـ 100 ألف طن من المخلفات العضوية والصلبة، و هذا الرقم الضخم كان يمثل في السابق عبئاً يهدد بانسداد شبكات الصرف الصحي وانتشار الروائح الكريهة. ومع إلغاء قرار الغلق المبكر للمحال، زاد التحدي نتيجة استمرار الحركة التجارية والترفيهية على مدار 24 ساعة، مما ضاعف من حجم القمامة المنزلية والتجارية بنسبة 40% مقارنة بالأيام العادية، وهنا كان تساؤل يفرض نفسه كيف استعدت التنمية المحلية لهذه المحرقة من المخلفات؟

منظومة الجمع السكني المباشر

الحل الذي طرحته عدة محافظات (مثل القاهرة، الجيزة، والإسكندرية) هذا العام تمثل في تجربة الجمع السكني المباشر، بدلاً من انتظار تراكم المخلفات في صناديق الشوارع، تم تخصيص فرق طوارئ تمر على المنازل والمحال التجارية بصفة دورية كل 4 ساعات.

 

هذا التحول من الانتظار إلى المبادرة منع وصول مخلفات الذبح إلى الصناديق العمومية، حيث يتم نقلها فوراً في سيارات "مكبس" مغلقة إلى المحطات الوسيطة، مما قضى على ظاهرة "النباشين" والروائح الكريهة في مهدها.

نقاط التجميع الذكية

وفي الأحياء والميادين المطورة، طبقت وزارة التنمية المحلية والبيئة نموذج نقاط التجميع الذكية، وهو نظام  سمح لأسطول النقل بالتحرك بدقة نحو النقاط المزدحمة فقط، مما وفر في استهلاك الوقود وضمان عدم فيض المخلفات في الشوارع السياحية والميادين العامة التي شهدت إقبالاً غير مسبوق بعد إلغاء قيود الغلق.

أبطال العيد شهادات من قلب المعركة البيئية
يقول المهندس "أحمد. س"، أحد مسؤولي منظومة المخلفات بمحافظة الجيزة: "خطة هذا العام اعتمدت على تقسيم المحافظة إلى مربعات أمنية بيئية؛ كل مربع له قائد ومجموعة عمال ومعدات مستقلة".

 

ويضيف: "الابتكار الحقيقي كان في استخدام (سيارات الشفط المدمجة) التي تتعامل فوراً مع سوائل الذبح لمنع تحلل البروتينات وتصاعد الروائح، وهو ما حافظ على الرخام والجرانيت في الميادين المطورة". ومن جانبها، أكدت "جمعية حماية البيئة" (أهلية) أن وعي المواطن ارتفع بنسبة كبيرة، حيث رصدت المتطوعون التزام أكثر من 70% من المواطنين بوضع المخلفات في أكياس مغلقة وتسليمها لعمال الجمع المباشر، وهو تحول تاريخي في الثقافة البيئية المصرية.

الشراكة بين المواطن والدولة

إن تطوير الميادين لم يكن مجرد رصف وإنارة، بل كان رسالة بصرية غيرت سلوك التاجر والمواطن. رصد التحقيق في منطقة وسط البلدالتزام أصحاب المطاعم والمحال التي تعمل الآن ليل نهار بوضع مخلفاتهم في حاويات خاصة تعاقدت عليها شركات النظافة الجديدة.

يقول أحد أصحاب المطاعم الكبرى: "بعدما رأينا الميدان بهذا الجمال، خجلنا أن نلقي المخلفات في الطريق؛ فالميدان النظيف يجذب زبائن أكثر، والطاقة الإيجابية التي نشرتها التطويرات الأخيرة جعلتنا شركاء في الحفاظ عليها".

نحو صفر مخلفات

لا تكتفي الدولة بجمع القمامة، بل يتم توجيه هذه الأطنان من مخلفات الأضاحي إلى مصانع التدوير والكمبوست لإنتاج أسمدة عضوية. هذا المسار يحول "الأزمة السنوية" إلى "فرصة اقتصادية"؛ حيث تُقدر القيمة المضافة لتدوير مخلفات العيد بنحو 200 مليون جنيه كأسمدة ومواد معاد تدويرها. إنها منظومة متكاملة تبدأ من "مكنسة عم صبحي" وتنتهي بمصانع التدوير العملاقة، مروراً بمنصات المتابعة الرقمية.

العيد الذي كسب فيه الجميع

تحقيق العيد بلا مخلفات  لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة تخطيط استراتيجي للربط بين هيبة القانون في منع الذبح بالشوارع، وذكاء المنظومة في الجمع المباشر، و جمال الميادين الذي حفز الوعي الشعبي.

ومع قرار عودة أضواء المحال، أثبتت التجربة أن مصر قادرة على إدارة الحشود والنشاط الاقتصادي المكثف مع الحفاظ على الصفر مخلفات.

لقد كان العيد هذا العام بمثابة شهادة ميلاد جديدة للمظهر الحضاري المصري، وتأكيداً على أن الاستثمار في البشر والحجر هو أقصر الطرق للوصول إلى "الجمهورية الخضراء".




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة