بينما تكتسي الشوارع بحلة العيد الجديدة، وتفوح رائحة الأضاحي في الأركان، تبرز خلف الكواليس معركة شرسة يقودها رجال بملابس برتقالية ضد جبال من المخلفات التي لا تتوقف عن النمو. في عيد الأضحى، تتحول أكياس القمامة إلى أزمة لوجستية وبيئية كبرى، حيث تقفز معدلات الاستهلاك إلى مستويات قياسية، واضعةً منظومة التنمية المحلية في اختبار حقيقي، خلال هذا التحقيق، نغوص في عالم المخلفات المنسية، ونرافق عمال النظافة في وردياتهم التي لا تنتهي، لنكشف كيف يواجه الجنود المجهولون فاتورة استهلاكنا المفرط في غفلة من الاحتفالات.
التقديرات الرسمية
تشير التقديرات الرسمية وتقارير هيئات النظافة إلى أن حجم النفايات الصلبة خلال أيام عيد الأضحى يشهد قفزة "انفجارية" تصل من 20 الى 25% مقارنة بالأيام العادية، هذه الزيادة لا تتعلق فقط بالكمية، بل بنوعية المخلفات، حيث تسيطر المخلفات العضوية من بقايا الأطعمة ومخلفات الأضاحي على المشهد، وهي النفايات الأسرع تحللاً والأخطر بيئياً إذا لم تُرفع في غضون ساعات، هذه القفزة تعني أن المدن الكبرى مثل القاهرة والجيزة تضخ يومياً آلاف الأطنان الإضافية التي تتطلب أسطولا من الشاحنات يعمل بمعدل دوران مضاعف.
معايشة الوردية المنسية
العيد بالنسبة لنا يعني العمل تحت الشمس 12 ساعة متواصلة، هكذا يبدأ عم إبراهيم، أحد قدامى عمال النظافة، بمنطقة مصر القديمة حديثه، خلال معايشتنا لوردية ليلية تبدأ مع تكبيرات العيد، رصدنا كيف تتحول الشوارع المحيطة بالمتنزهات والمجازر إلى خلايا نحل، هؤلاء الرجال يواجهون تحديات لا يراها المواطن، من أكياس ملقاة بإهمال تحتوي على دماء الأضاحي، إلى مخلفات بلاستيكية ناتجة عن سلوكيات التنزه الخاطئة، هؤلاء العمال هم حائط الصد الأول ضد انتشار الأوبئة، ومع ذلك، يظلون الفئة الأقل استمتاعاً ببهجة العيد، ففرحتهم الحقيقية تبدأ حين يرى أحدهم الشارع نظيفا بعد ليلة شاقة.
وهنا يقول شحاته المقدس إن عمال جمع المخلفات لا يأخذون إجازة، ويكون العيد موسم عمل مكثف لهم ويرزقهم الله بالكثير من العطايا التي يمنحها لهم السكان كمشاركة لهم في فرحة عيد الأضحى، مؤكدا حجم المخلفات الذى يزيد بنسبة كبيرة وهو ما يشكل عبء على منظومة النظافة لكن عمال الجمع والنقل يملكون اسطولا من السيارات لنقل المخلفات من أماكن التجمعات
منظومة التدوير
خلف كل لودر يرفع المخلفات، هناك منظومة تقنية معقدة، فخلال العيد، تُعلن مصانع تدوير المخلفات والمحطات الوسيطة حالة الطوارئ، ويؤكد احد المصادر بوزارة التنمية المحلية والبيئة وملف المخلفات الصلبة، أن الضغط يتركز على المحطات الوسيطة التي تعمل كمراكز تجميع مؤقتة قبل نقل المخلفات للمدافن الصحية، ويكمن التحدي هنا في سرعة التدوير، فالمخلفات العضوية في العيد تمثل ثروة مهدرة إذا تم تحويلها لسماد عضوي كمبوست، لكن ضخامة الحجم وسرعة التحلل في درجات الحرارة المرتفعة تجعل المنظومة تعمل بأقصى طاقتها، مما يثير تساؤلات حول ضرورة تحديث خطوط الفرز الآلي لاستيعاب هذه القفزات الموسمية.
فاتورة الاستهلاك
من يدفع الفاتورة؟ الإجابة ليست الدولة وحدها، بل المواطن هو المحرك الأول، فسلوكيات العيد تساهم في تفاقم الأزمة، حيث أن إلقاء مخلفات الذبح في شبكات الصرف الصحي أو في عرض الطريق يرفع تكلفة النظافة بنسبة كبيرة ويؤدي لانسداد المرافق.
يشير خبراء البيئة إلى أن الوعي الاستهلاكي هو الحلقة المفقودة، فلو قام كل منزل بفرز المخلفات العضوية بشكل منفصل، لسهّل ذلك مهمة آلاف العمال والمصانع، ولتحولت قمامة العيد من عبء بيئي إلى مورد اقتصادي.
خارطة طريق لعيد بلا مخلفات
للتغلب على تحدي القمامة، لا بد من الانتقال من سياسة رد الفعل للجمع والنقل، إلى سياسة الاستباق والتقليل والتدوير، حيث يتطلب الأمر زيادة عدد نقاط التجميع الذكية، وتفعيل غرامات فورية على الذبح العشوائي في الشوارع، مع تقديم حوافز للمواطنين الملتزمين، وانه يجب ان يكون العيد مناسبة للارتقاء بالذوق العام، وليس لترك المدن تحت حصار النفايات.
شكر واجب وحلول معلقة
إن مشهد عامل النظافة وهو يجمع بقايا فرحتنا بالعيد يجب أن يدفعنا للتفكير، فاتورة زيادة المخلفات هي جرس إنذار لسلوكياتنا الاستهلاكية، و إن تحدي القمامة ليس مجرد سيارة تفتش عن كيس، بل هو معركة وعي وطني، ومنظومة تكنولوجية تحتاج لدعم مستمر في هذا العيد، لنكن نحن العون لهؤلاء الجنود المجهولين، ولنجعل نظافة شوارعنا جزءاً من شعائرنا واحتفالنا.

الجنود الخفية فى الاعياد

الجنود الغير مجهولة

عمال النظافة