تحمل الطبيعة الإنسانيّة نزوعًا فطريًّا نحو رحاب الطاعة والتماس المغفرة الإلهيّة في كنف العبادات التي من شأنها أن تُهذّب الوجدان وتغمر النفس بسكينة الرضا وتورث النقاء والصفاء؛ الأمر الذي يمنح المرء طاقةً تفاؤليّةً تدفعه للإقبال على الحياة بجدٍ واجتهادٍ متحمّلًا مشاق السعي في عمارة الأرض، ومحققًا الغاية الأسمى من استخلافه ليفوز في نهايّة المطاف بثمار الدارين طمأنينةً وسعادةً.
يستشعر العبد عظمة الخالق حين يقف في المشهد المهيب لعرفات راجيًا نيل العفو والقبول، مستحضرًا في هذا المنسك المبارك فيوض الرحمات الإلهيّة الشاملة، التي يتسع بها فضاء الأمل لغفران الخطايا والذنوب؛ مما يجدد العزم في النفس البشرية على تجاوز تعقيدات الحياة ومشكلاتها الشائكة، طمعًا في رضا إلهيٍّ يغمر الوجدان بالسكينة، ويمنح الإنسان انطلاقةً روحيّةً جديدةً قائمةً على التفاؤل والصفاء.
يُسهم مشهد عرفات المهيب في ارتقاء الوجدان الإنسانيّ وتهيئته لبذل العطاء ومواجهة قسوة الحياة؛ إذ يرسخ في النفس حقيقة الدنيا كدار ممر والآخرة كمستقر، مما يُثمر استقامةً في السلوك ونبذًا للفتن الزائفة، ليقترن جمال الوجود بالمسارعة في الخيرات وتقديم النفع للبشريّة، بوصف ذلك غايةً عليا ومقصدًا أسمى تصبو إليه النفس المؤمنة طلبًا للرفعة والرضوان.
ينطلق قاصدو بيت الله الحرام من شتى بقاع الأرض نحو غايةٍ إنسانيّةٍ عليا، ترتفع بها الروح فوق النـزعات الماديّة والشهوات النفسيّة، مما يمنح المرء بناءً نفسيًّا رصينًا وسلامًا داخليًّا عميقًا، يدفعه لتوجيه طاقاته وملكاته كافةً نحو خدمة الإنسانيّة جمعاء، فيغدو فاعلاً في محيطه، ومحبًّا للخير لغيره، ومستثمرًا طاقته الروحيّة والعمليّة في نشر التسامح ونفع البشريّة قاطبةً.
يُعدّ الإقلاع عن الخطايا المستند إلى توبةٍ صادقةٍ معيارًا أصيلاً لصدق العهد مع الخالق؛ إذ يخرج المرء بهذا المسار الإيمانيّ من عتمة العصيان إلى أنوار الطاعة والرشاد بعد تغلبه على ضغوط الحياة، مما يسهم في إعادة تأهيل النفس بشريًّا وروحيًّا، ليفوز الإنسان بنهاية المطاف بنعمة الاستقرار النفسيّ وطمأنينة الرضا، وهي ثمرةٌ عليا ومقصدٌ أسمى لا توازيه غايةٌ في هذه الدنيا الفانية.
يحظى الواقفون بعرفات الله بصفاءٍ وجدانيٍّ يغمر نفوسهم بفيوض المحبة والمودة للجميع؛ مما يدفعهم لتبني غاياتٍ مستقبليّةٍ رصينةٍ تستهدف نشر الخير وتعزيز مسيرة الإعمار في الأرض بهمةٍ عاليةٍ ونوايا صادقةٍ، لتصبح المساهمة في إسعاد البشريّة مقصدًا أصيلاً من مقاصد تلك الفضيلة، وأثرًا بارزًا للمناسك في تأهيل الإنسان نحو العطاء والبناء وترك كل ما يشين السلوك الوجدانيّ أو يعيق النهضة الإنسانيّة الشاملة.
ينال طالبو العفو في يوم عرفات فيوضًا من المشاعر الجياشة والأمل الفسيح برحمة الخالق؛ إذ يبرهن هذا الجمع المبارك على فطرية المودة والتراحم بين البشر، مستلهمين من العقيدة السمحاء وجوب التآخي والتعاون البناء، مما يُعين على تجاوز النزاعات وتذليل الخلافات؛ فالحياة تتسع للجميع عطاءً وعملاً، وفهم غاية الاستخلاف يدفع الإنسانيّة نحو التلاحم والوئام لاستثمار خيرات الأرض وبلوغ المآل السعيد طمأنينةً وسلامًا.
تتجه تطلعات النفس البشريّة نحو إرساء قيم الألفة والتلاحم ومقاومة نزغات الشر؛ رغبةً في شيوع السلم والأمان والاستقرار العالميّ، مما يُذكي شعلة الأمل ويدفع مسيرة النهضة العمرانيّة والإنسانيّة نحو آفاقٍ أرحب، باعتبار أن مكاسب الحياة الدنيا وقيمها الرفيعة ممرٌ آمنٌ وبدايةٌ حقيقيّةٌ للوصول إلى دار المستقر، التي ينال فيها الإنسان جزاء عمله الصالح، ويجني ثمار سعيه الدؤوب رفعةً وفوزًا بالنعيم المقيم.
يتجه الوجدان البشريّ بالابتهال والدعاء في الأوقات المباركة التماسًا للاستجابة الإلهيّة في تعزيز روافد البذل والعطاء وتثبيت مكارم الأخلاق والفضائل؛ رغبةً في سلوك مسارات الحق والعدالة، وتطلعًا لردع مظاهر الفساد ودحر قوى البغي والطغيان في شتى بقاع المعمورة، مستندين في ذلك إلى القدرة الإلهيّة المطلقة التي تحفظ التوازن الإنسانيّ وتدعم قيم الصلاح، مما يبعث في النفس أملًا عظيمًا في غدٍ مشرقٍ تسوده العدالة والأمان.
يؤول ذلك المنسك المبارك إلى تأسيس كيان وجداني متين يرتفع بالنفس نحو معالي الرشاد ويقودها إلى آفاق التآخي والتعاون في نفع البشرية؛ حيث يُشكل هذا التجمع الإيماني منطلقًا فريدًا لتقويم السلوك الإنساني ونبذ النزاعات الفانية، لتضحى السكينة القلبية والسلام العالمي غاية أصيلة ومقصدًا أسمى تصبو إليه المجتمعات، رغبة في بلوغ المآل السعيد ونيل العفو الإلهي الذي يمنح المرء استقرارًا وسعادة شاملة في الدارين.
أ. د / عصام محمد عبد القادر
أستاذ ورئيس قسم المناهج وطرق التدريس
كلية التربية بالقاهرة _ جامعة الأزهر