في يوم أفريقيا، نحتفي بحاضر ينهض بإرادة أبنائه ومستقبل تصاغ ملامحه بعقول شبابه وسواعد شعوبه، إنها القارة التي أنجبت الحضارات، واحتضنت التنوع الإنساني والثقافي، وظلت على مر العصور رمزًا للصمود والعطاء والتجدد، ولقد أثبتت أفريقيا أن التحديات مهما عظمت لا يمكن أن تقف أمام إرادة الشعوب الطامحة إلى التقدم، وأن الوحدة والتكامل هما السبيل الأنجح لتحقيق التنمية وصون الاستقرار، فبين أنهارها الشاهدة على التاريخ، وسهولها الخصبة، وثرواتها الطبيعية الهائلة، ومواردها البشرية الواعدة، تمتلك القارة كل المقومات التي تجعلها قوة مؤثرة في رسم مستقبل العالم، وإذا كانت الأزمات الدولية قد فرضت واقعًا جديدًا يتطلب المزيد من التكاتف والتعاون، فإن أفريقيا اليوم أكثر وعيًا بقدرتها على تحويل التحديات إلى فرص، من خلال تعزيز الشراكات الاقتصادية، وتطوير البنية التحتية، والاستثمار في التعليم والابتكار، وتمكين الشباب والمرأة باعتبارهما المحرك الحقيقي لمسيرة التنمية.
وقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن الاحتفال بيوم أفريقيا هذا العام يأتي في لحظة فارقة من تاريخ القارة، حيث تتقاطع التحديات الإقليمية والدولية مع الطموحات التنموية الكبرى التي تتبناها الدول الأفريقية في إطار أجندة أفريقيا 2063، وتتجاوز هذه المناسبة مجرد إحياء ذكرى تأسيس منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963، لتؤكد مجددًا أهمية العمل المشترك بين شعوب القارة ودولها، وتعزز الإيمان بقدرة أفريقيا على صناعة مستقبلها اعتمادًا على مواردها الهائلة وإرادة أبنائها وعزيمتهم على تحقيق التنمية والازدهار، وفي ثم تكتسب احتفالية مصر بيوم أفريقيا أهمية خاصة، حيث تسلط الضوء على الدور المصري التاريخي والمعاصر في دعم القارة الأفريقية، كما تستعرض نماذج التعاون والشراكات الناجحة التي تسهم في تحقيق الأهداف التنموية المشتركة وتعزيز التكامل الإقليمي.
وقد ارتبطت مصر بالقارة الأفريقية عبر التاريخ بروابط راسخة من الجغرافيا والحضارة والثقافة، وظلت شريكًا أصيلًا في مسيرة النضال الأفريقي من أجل التحرر والاستقلال وبناء الدولة الوطنية، وعلى مدار عقود، لعبت القاهرة دورًا محوريًا في دعم حركات التحرر الوطني، واحتضنت العديد من القيادات السياسية والفكرية التي أسهمت في صياغة مستقبل القارة، واليوم تواصل مصر هذا الدور من خلال تعزيز التعاون والتكامل بين الدول الأفريقية، وترسيخ مبادئ الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، انطلاقًا من إيمانها بأن نهضتها وازدهارها يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بنهضة أفريقيا وتقدمها.
ويعد اختيار جامعة القاهرة لاستضافة احتفالية يوم أفريقيا هذا العام دلالة خاصة، كإحدى أعرق المؤسسات الأكاديمية في المنطقة والقارة، فمنذ تأسيسها، ظلت منارة للعلم والمعرفة، وأسهمت في إعداد أجيال من الكفاءات العلمية والفكرية التي شاركت بفاعلية في مسيرة التنمية والتحرر في العديد من الدول الأفريقية والعربية، كما احتضنت آلاف الطلاب الأفارقة الذين عادوا إلى أوطانهم حاملين العلم والخبرة، ليسهموا في بناء مؤسسات دولهم ودفع جهود التنمية المستدامة، ومن ثم، تعكس استضافة الجامعة لهذه المناسبة إيمان مصر الراسخ بأن التعليم والمعرفة هما الركيزة الأساسية لبناء مستقبل أفريقيا وصناعة نهضتها الشاملة.
وتأتي كلمة رئيس الجمهورية المصري باحتفالات يوم أفريقيا هذا العام في ظل متغيرات دولية وإقليمية متسارعة، ألقت بظلالها على الاقتصاد العالمي وحركة التجارة وسلاسل الإمداد وأمن الغذاء والطاقة، الأمر الذي انعكس على العديد من الدول الأفريقية، وفي مواجهة هذه التحديات، تتضح أهمية تعزيز التضامن والتكامل بين دول القارة، وتوحيد الجهود لدعم القدرة الجماعية على تحقيق الاستقرار ودفع مسيرة التنمية، كما تتصدر قضية المياه أجندة العمل الأفريقي المشترك هذا العام، كأحد أهم مقومات الحياة والتنمية المستدامة والأمن الغذائي، في ظل ما تواجهه القارة من تحديات مرتبطة بالتغيرات المناخية وتزايد الطلب على الموارد المائية، ومن ثم، تزداد الحاجة إلى تبني سياسات رشيدة لإدارة المياه وتعزيز التعاون بين الدول المتشاركة في الأحواض النهرية، بما يحقق المنفعة المتبادلة ويحفظ الحقوق ويعزز فرص السلام والتنمية والتكامل بين شعوب القارة الأفريقية.
وتؤكد القياة المصرية التزامها الراسخ بمبادئ التعاون والتوافق في إدارة الأنهار الدولية العابرة للحدود، بما يحقق التنمية المشتركة ويحفظ حقوق جميع الأطراف وفقًا لقواعد القانون الدولي، انطلاقًا من إيمانها بأن الحوار والتعاون يمثلان السبيل الأمثل للاستفادة العادلة من الموارد المائية وتعزيز الاستقرار الإقليمي، كما تدعو إلى تطوير آليات فعالة لحوكمة الموارد المائية في أفريقيا بما يدعم أهداف التنمية المستدامة ويعزز التكامل بين دول القارة، وفي الوقت ذاته، تواصل مصر دعمها لجهود الأمن والاستقرار الأفريقي من خلال مساندة مؤسسات الدولة الوطنية وتعزيز قدراتها في مواجهة التحديات الأمنية والتنموية، بما في ذلك النزاعات والإرهاب والجريمة المنظمة، إيمانًا بأن السلام والاستقرار يشكلان الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية والازدهار لشعوب القارة الأفريقية.
وتواصل مصر دعم مسيرة التنمية الاقتصادية في أفريقيا من خلال تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وبناء القدرات، ونقل الخبرات الفنية، بما يعزز فرص النمو المستدام ويرفع كفاءة الموارد البشرية في مختلف الدول الأفريقية، وقد شهد التعاون المصري الأفريقي خلال السنوات الأخيرة تطورًا ملحوظًا في مجالات الطاقة المتجددة والصحة والتعليم والزراعة والتحول الرقمي، فضلًا عن دعم مشروعات الربط القاري وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول القارة، كما أكد السيد الرئيس حرص مصر على تشجيع الاستثمارات المشتركة وتوسيع دور القطاع الخاص باعتباره شريكًا رئيسيًا في تحقيق التنمية وخلق فرص العمل وتحسين جودة الحياة، وفي ضوء ذلك تكتسب استضافة مصر للقمة التنسيقية الثامنة للاتحاد الأفريقي في يونيو 2026 أهمية خاصة، حيث تمثل فرصة لتعزيز الحوار والتنسيق بين الدول الأفريقية، وتسريع وتيرة تنفيذ أجندة أفريقيا 2063، ودفع جهود التجارة البينية وتطوير البنية التحتية العابرة للحدود، بما يسهم في بناء مستقبل أكثر ازدهارًا واستدامة لشعوب القارة.
إن الاحتفال بيوم أفريقيا مناسبة لاستشراف مستقبل أكثر إشراقًا واستدامة للقارة وشعوبها، بما تمتلكه أفريقيا من ثروات طبيعية هائلة وطاقات بشرية شابة وقدرات ابتكارية متنامية ما يؤهلها لتكون واحدة من أهم مراكز النمو في العالم خلال السنوات المقبلة، فالشباب الأفريقي اليوم يقود مسيرة جديدة من الإبداع والابتكار، مدعومًا بالتطورات المتسارعة في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل الاستثمار في التعليم وتمكين الشباب وتعزيز التعاون الإقليمي ضرورة أساسية لتحقيق التنمية الشاملة، وتتجدد الدعوة في يوم أفريقيا إلى ترسيخ قيم التضامن والوحدة التي قامت عليها مسيرة العمل الأفريقي المشترك، وتواصل مصر، بتاريخها العريق وانتمائها الأصيل لقارتها، دعمها لكل الجهود الرامية إلى تعزيز التكامل الأفريقي وترسيخ الشراكة بين شعوب القارة، إيمانًا منها بأن مستقبل أفريقيا يبنى بتكاتف الإرادات وتوحيد الرؤى نحو تحقيق أهداف أجندة أفريقيا 2063 وترسخ مكانتها على الساحة الدولية، وستظل أفريقيا قارة الأمل والطموح، تستمد قوتها من وحدتها، وتميزها من تنوعها، وإرادتها من شعوبها الساعية دائمًا إلى التقدم والازدهار، لتبقى بحق قارة الفرص والمستقبل الواعد، ونموذجًا واعدًا للتقدم والنهضة في القرن الحادي والعشرين.