فى مشهد يعكس التقلبات المناخية العالمية، تشهد قارات أوروبا وآسيا موجة حر شديدة وغير مسبوقة، حيث سجلت درجات الحرارة أرقاما قياسية فى دول متفرقة، وسط تحذيرات علمية من أن ظاهرة النينو وتغير المناخ يجعلان موجات الحر أطول وأقوى وأكثر تواترا.فمن إسبانيا إلى الهند، ومن فرنسا إلى روسيا، تعاني ملايين البشر من حرارة لافحة غير معتادة لهذا الوقت من العام، في ظاهرة تثير القلق لدى الحكومات والمنظمات الدولية، وتدفع الخبراء إلى المطالبة باستعداد عالمي عاجل لمواجهة صيف قد يكون الأشد حرارة في التاريخ الحديث.
أوروبا: صيف في الربيع
تجتاح كتلة هوائية حارة وجافة معظم أنحاء القارة الأوروبية، مع توقعات بأن تكون إسبانيا من أكثر الدول تضرراً، حيث قد تتجاوز الحرارة 34 درجة مئوية في المناطق الجنوبية والداخلية. ووفقاً للوكالة الحكومية للأرصاد الجوية الإسبانية (Aemet)، فإن درجات الحرارة ستتراوح بين 5 و10 درجات فوق المعدلات الطبيعية لهذا الوقت من العام.
أما البرتغال فستصل إلى 35 درجة، بينما تقترب مدينة بوردو الفرنسية من 35 درجة، وقد تتجاوز العاصمة باريس حاجز 30 درجة. وفي بريطانيا، حذرت هيئة الأرصاد الجوية (Met Office) من أن درجات الحرارة قد تصل إلى 28 درجة في لندن، وهو رقم قياسي لشهر مايو.
كما ستشهد إيطاليا وألمانيا وبلجيكا وهولندا ارتفاعاً ملحوظاً في درجات الحرارة بشكل غير معتاد لهذا الوقت من العام، في مشهد يؤكد تسارع وتيرة التغير المناخي. وفي ألمانيا، سجلت ولاية بافاريا 32 درجة، مما دفع السلطات إلى إطلاق تحذيرات للمواطنين، خصوصاً كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، بتجنب التعرض المباشر للشمس وشرب كميات كافية من الماء.
ويقول خبراء الأرصاد الجوية الأوروبيون إن السبب الرئيسي لهذه الموجة المبكرة من الحر هو امتداد كتلة هوائية قادمة من شمال أفريقيا، حملت معها هواءً ساخناً وجافاً، إضافة إلى تأثير ظاهرة النينو التي لا تزال مستمرة في المحيط الهادئ، مما يرفع درجات حرارة المحيطات واليابسة على مستوى العالم.
وتأتي هذه الموجة بعد أيام قليلة فقط من موجة حر قياسية ضربت فرنسا الأسبوع الماضي، حيث سجلت بوردو 42 درجة في منتصف مايو، مما أثار جدلاً واسعاً حول استعداد البنية التحتية الأوروبية لموجات الحر المتكررة. ففي فرنسا، لا تمتلك سوى 7% من المنازل مكيفات هواء، مما يجعل السكان أكثر عرضة لمخاطر الإجهاد الحراري.
وقد دفعت هذه الموجة السلطات المحلية في مدريد وباريس وبرلين إلى فتح "مراكز تبريد" مؤقتة في المدارس والمكتبات العامة ومراكز التسوق، لتوفير ملاذ آمن للمواطنين من حرارة الشمس اللافحة. كما تم توزيع مياه مجانية في المحطات الرئيسية للمترو والقطارات.
وتشير التقديرات إلى أن موجة الحر هذه قد تكلف الاقتصادات الأوروبية مئات الملايين من اليورو، بسبب انخفاض الإنتاجية في المكاتب والمصانع، وزيادة الطلب على الكهرباء لتشغيل المراوح والمكيفات، وإغلاق بعض المدارس والمؤسسات العامة احترازياً.
الهند: 48 درجة ومراكز للإنعاش
في الجانب الآخر من آسيا، تعاني الهند من موجة حر قاتلة. ففي منطقة "باندا" بشمال البلاد (ولاية أوتار براديش)، سجلت الحرارة 48.2 درجة مئوية، وهو رقم مرتفع حتى بمعايير الصيف الهندي القاسي.
وقد حذرت إدارة الأرصاد الجوية الهندية (IMD) من أن موجات الحر "ستزداد طولاً وقوة وتكراراً" في السنوات المقبلة، بسبب تأثير ظاهرة النينو وتغير المناخ. وأضافت الإدارة في بيان لها: "ما نشهده الآن هو مقدمة لما هو قادم. يجب على الحكومة والمجتمع المدني الاستعداد لموجات حرارة أطول وأشد".
وظلت التحذيرات قائمة في العاصمة نيودلهي وولايات الشمال (البنجاب، هاريانا، وراجستان)، حيث توقعت الأرصاد وصول الحرارة إلى 46 درجة خلال عطلة نهاية الأسبوع. وفي نيودلهي، سجلت محطة التلوث التابعة للحكومة زيادة حادة في تركيز الأوزون على سطح الأرض، وهو غاز سام يتشكل عندما تتفاعل ملوثات السيارات والمصانع مع أشعة الشمس والحرارة المرتفعة، مما يزيد من صعوبة التنفس ويهدد مرضى الربو.
وفي استجابة طارئة للأزمة، أعلنت السلطات الهندية عن نصب مراكز مؤقتة للتخفيف من حدة الحر في المدن الكبرى، بالإضافة إلى نقاط متنقلة لتوفير المياه والسوائل للمواطنين، خاصة الفئات الأكثر ضعفاً مثل كبار السن والأطفال والعمال في الهواء الطلق (عمال البناء، سائقي التوك توك، الباعة الجائلين).
كما طلبت الحكومة من الشركات والمصانع تعديل ساعات العمل، لتجنب ساعات الذروة الحرارية (من 12 ظهراً إلى 4 مساءً)، ومنحت العمال الحق في أخذ قيلولة بعد الظهر في أماكن مظللة جيدة التهوية.
وتشير الإحصاءات الأولية إلى أن موجة الحر الحالية قد تسببت في وفاة ما لا يقل عن 85 شخصاً حتى الآن في جميع أنحاء الهند، معظمهم من كبار السن والمشردين وعمال البناء الذين اضطروا للعمل تحت أشعة الشمس الحارقة. لكن الأرقام الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، لأن الوفيات المرتبطة بالحرارة غالباً ما لا تُسجل بشكل صحيح في المناطق الريفية النائية.
موسكو تحطم رقماً قياسياً عمره 129 عاماً
في تطور مناخي صادم، سجلت العاصمة الروسية موسكو يوم الثلاثاء الماضي رقماً حرارياً تاريخياً لم يُسجل منذ 129 عاماً، حيث تجاوزت الحرارة 30 درجة مئوية في 20 مايو. وفقاً لخدمة الأرصاد الجوية الروسية (Roshydromet)، فإن آخر مرة سجلت فيها موسكو حرارة مماثلة في هذا اليوم من العام كانت في عام 1897.
وقال ميخائيل لوكاشوف، خبير الأرصاد الجوية في مركز "فوبوس" الروسي: "ما نشهده الآن هو شذوذ مناخي حقيقي. درجة الحرارة في موسكو أعلى بـ12 درجة من المعدل الطبيعي لهذا الوقت من العام. هذا ليس صيفاً مبكراً، هذا قفزة إلى يوليو".
وأعلنت السلطات الروسية حالة التأهب "البرتقالي" (وهو ثاني أعلى مستوى تحذيري في نظام الإنذار الروسي المكون من خمس درجات) بسبب الحر الشديد غير المعتاد. وهذا المستوى من الإنذار يعني أن الطقس "خطير" ويمكن أن يتسبب في أضرار اقتصادية وإصابات بشرية.
اللافت في الأمر أن موجة الحر هذه تأتي بعد أسابيع قليلة فقط من تساقط الثلوج ودرجات حرارة قريبة من الصفر في موسكو. ففي أواخر أبريل الماضي، تساقطت الثلوج على العاصمة الروسية، وهبطت الحرارة إلى درجة واحدة فوق الصفر. هذا التقلب الحاد في درجات الحرارة (من شتاء إلى صيف في غضون أسابيع) هو ما يقلق خبراء المناخ أكثر من الحرارة نفسها، لأنه يعكس عدم استقرار الأنظمة الجوية وارتباك الفصول.
وقد هرع سكان موسكو إلى الحدائق العامة والشواطئ على ضفاف نهر موسكفا للاستمتاع بالطقس غير المعتاد. وأظهرت لقطات بثتها وسائل الإعلام الروسية أشخاصاً وهم يستلقون تحت أشعة الشمس ويأكلون الآيس كريم ويشربون المشروبات الباردة، في مشهد أشبه بأيام يوليو الحارة.
حذرت خدمة الأرصاد الجوية من أن الحرارة المرتفعة قد تتسبب في حرائق الغابات وحرائق الخث (peat fires) في ضواحي موسكو، وهو ما حدث في صيف 2010 عندما أدت حرائق الخث إلى تغطية موسكو بسحابة سامة من الدخان، وتسببت في وفاة الآلاف وإجلاء عشرات الآلاف.
ورداً على هذه المخاوف، أعلنت وزارة الطوارئ الروسية عن نشر فرق إطفاء إضافية في المناطق الحرجية حول موسكو، ومراقبة جوية مستمرة باستخدام الطائرات المسيرة، تحسباً لأي حريق.
النينو وتغير المناخ
ما هو السبب العلمي وراء هذه الموجات الحارة المتزامنة في قارات مختلفة؟ يجمع خبراء المناخ على أن هناك عاملين رئيسيين:
ظاهرة النينو: لاتزال هذه الظاهرة المناخية الدورية (التي تتميز بارتفاع غير طبيعي في درجة حرارة سطح المحيط الهادئ الاستوائي) مستمرة منذ عام 2024، وهي واحدة من أقوى ظواهر النينو في التاريخ. النينو تؤدي إلى رفع درجات حرارة المحيطات واليابسة على مستوى العالم، وزيادة تواتر وشدة الظواهر الجوية المتطرفة مثل الجفاف والفيضانات وموجات الحر.
تغير المناخ الناتج عن النشاط البشري (الاحتباس الحراري): يلعب تغير المناخ دوراً مضاعفاً، لأنه يرفع درجة حرارة الأرض الأساسية (baseline temperature)، مما يجعل موجات الحر الطبيعية أكثر حدة وأطول مدة. فبدون تغير المناخ، كانت موجة الحر الحالية ستكون أقل حرارة بدرجتين إلى ثلاث درجات مئوية، وفقاً لتقديرات علماء مناخ من مشروع "World Weather Attribution".
ويقول الدكتور فريدريك أوتو، عالم المناخ في جامعة أكسفورد: "ما نراه الآن هو مزيج خطير من النينو القوية وتغير المناخ. النينو تضرب بقوة هذا العام، لكن تغير المناخ هو من يحول كل موجة حر عادية إلى كارثة. هذه هي الموجة الجديدة من موجات الحر: أطول، وأقوى، وأكثر تواتراً".
ويضيف الدكتور أوتو: "في الثمانينيات، كنا نشهد موجة حر شديدة كل خمس سنوات. الآن، نشهدها كل عام تقريباً. وإذا لم نخفض انبعاثات الغازات الدفيئة، فسنشهد موجات حر كهذه كل صيف، وستكون درجات الحرارة أعلى بأربع أو خمس درجات مما هي عليه الآن".