تعد مدينة طابا، التي تقع عند رأس خليج العقبة، نقطة جيواستراتيجية فريدة في الجغرافيا المصرية، حيث تمثل البوابة الشرقية لمصر على البحر الأحمر، وتربط بين قارتي آسيا وأفريقيا، وتبلغ مساحة طابا حوالي 508 فدان، وتتميز بتضاريسها الجبلية الوعرة التي تتداخل مع الشريط الساحلي، مما منحها أهمية عسكرية واقتضادية عبر العصور.
وقد ارتبطت طابا بالسيادة المصرية منذ العصور القديمة، مرورا بالحقبة العثمانية واتفاقية عام 1906 التي رسمت الحدود الشرقية لمصر من رفح شمالا حتى رأس طابا جنوبا، وهي الاتفاقية التي استندت إليها الدولة المصرية لاحقا في معركتها القانونية لاسترداد الأرض.
لم تكن عودة طابا إلى السيادة المصرية مجرد إجراء بروتوكولي أعقب معاهدة السلام، فقد كانت نتاج معركة دبلوماسية وقانونية وفنية معقدة استمرت لسنوات، حيث بدأت الأزمة حين حاولت إسرائيل تحريك بعض العلامات الحدودية، وتحديدا العلامة 91، لضم مساحة من الأرض المصرية، وهو ما رفضته القاهرة جملة وتفصيلا، متمسكة ببدء تحكيم دولي صارم، وهنا تجلى الدرس الأهم في تاريخ الإدارة المصرية الحديثة، وهو تشكيل اللجنة القومية العليا لطابا، التي ضمت نخبة من كبار القانونيين، والجغرافيين، والعسكريين، والمؤرخين، والمهندسين المساحيين.
كان المعيار الوحيد والأساسي للانضمام لهذه اللجنة هو الكفاءة المطلقة والتخصص الدقيق، بعيدا عن أي اعتبارات أخرى، فقد ضمت اللجنة قامات علمية ووطنية كبرى، مثل الدكتور وحيد رأفت، والدكتور نبيل العربي، والدكتور مفيد شهاب، واللواء محسن حمدي، والمؤرخ المستشار محمد الشافعي، وغيرهم من الخبراء الذين سخروا علمهم لإثبات الحق المصري.
إن القيمة المضافة في تشكيل هذا الفريق كانت تكمن في تنوعه الفكري؛ فقد ضمت اللجنة أعضاء كانوا معروفين بمواقفهم المعارضة في ملفات أخرى، لكن الدولة استعانت بهم لثقتها في كفاءتهم المهنية، وهم بدورهم لم يتأخروا عن تلبية نداء الوطن، واضعين خبراتهم العلمية في خدمة قضية السيادة.
قدمت اللجنة للمحكمة الدولية بجنيف ملفا وثائقيا نادرا، شمل خرائط تاريخية من الأرشيف المصري والبريطاني والتركي، وصورا جوية، واستخدمت حقائق جغرافية وأثرية، مثل بقايا قلاع قديمة وعلامات حدودية طبيعية، لدحض الادعاءات الفنية للطرف الآخر، وقد أدت هذه المنهجية العلمية الصارمة في النهاية إلى صدور حكم التحكيم الدولي في 29 سبتمبر 1988 بأحقية مصر في طابا، ورفع العلم المصري عليها في 19 مارس 1989.
إن ملحمة استعادة طابا تظل درسا وطنيا قائما يثبت أن الاعتماد على أهل الخبرة والكفاءة هو السبيل الوحيد لتحقيق الانتصارات الكبرى وتطوير الدولة، فقد أثبتت التجربة أن الوطن حين يواجه تحديات مصيرية، تصبح الكفاءة هي الضمانة الوحيدة للنجاح، وأن استيعاب كافة الكوادر الوطنية -بصرف النظر عن مشاربهم الفكرية- طالما يمتلكون المعرفة العلمية، هو النهج الذي يبني الأوطان ويحمي مقدراتها.
إن طابا اليوم ليست مجرد بقعة جغرافية سياحية تضم متاحف ومعالم أثرية، لكنها ستظل رمزا لانتصار العقل المصري والقدرة على إدارة الأزمات بالحقائق والوثائق العلمية.