اليوم العالمى لسلطان المزاج.. الشاى أسطورة صينية غيرت وجه العالم.. مشروب الشعب الاستراتيجي.. فوائد طبية مثبتة علمياً.. هل تكسر الأبحاث الزراعية قيود المناخ لإنتاجه محلياً؟

الخميس، 21 مايو 2026 04:00 م
اليوم العالمى لسلطان المزاج.. الشاى أسطورة صينية غيرت وجه العالم.. مشروب الشعب الاستراتيجي.. فوائد طبية مثبتة علمياً.. هل تكسر الأبحاث الزراعية قيود المناخ لإنتاجه محلياً؟ الشاى

كتبت أسماء نصار

تتجه أنظار الملايين حول العالم اليوم نحو الاحتفاء بواحد من أقدم المشروبات وأكثرها انتشاراً في التاريخ البشري، حيث يحيى المجتمع الدولي "اليوم العالمي للشاي".وتأتي هذه المناسبة، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة رسمياً في الحادي والعشرين من ديسمبر عام 2019، لتتجاوز مجرد الاحتفاء بمشروب يومى يرتبط بالثقافات والهويات المحلية، إلى تسليط الضوء على الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والزراعية الشديدة الأهمية لقطاع الشاي، بوصفه ركيزة أساسية للتنمية المستدامة ومحاربة الفقر في عشرات الدول النامية.

ويكتسب الاحتفال هذا العام زخماً خاصاً تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، في ظل التحديات المتزايدة التي تواجه هذا القطاع الحيوي، وفي مقدمتها التغيرات المناخية التي باتت تهدد جودة المحاصيل ومعدلات الإنتاج في المناطق الرئيسية لزراعته.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يمثل الشاي قوة دافعة للأمن الغذائي والنمو في العديد من المجتمعات الريفية، إذ يعد من المحاصيل الكثيفة العمالة التي توفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة في مراحل الزراعة، والحصاد، والتصنيع، والتصدير، لاسيما في المناطق النائية والمحرومة اقتصادياً.

 

أسطورة صينية غيرت وجه العالم

يعود تاريخ ظهور الشاي لبلاد الصين القديمة، حيث تروي الأساطير أن الإمبراطور الأسطوري "شين نونغ" —الذي يلقب بالمزارع وعالم النباتات— اكتشف فوائد هذا المشروب بالصدفة عام 2737 قبل الميلاد، فبينما كان يستعد لشرب الماء المغلي تحت إحدى الشجرات تماشياً مع مرسوم إمبراطوري صارم، وقعت بمحض المصادفة بضع ورقات من الشجرة في كوبه.

وبدلاً من سكب المشروب بسبب تغير لونه، فضل شين نونغ تذوقه ليفاجأ بمذاقه الطيب وانتعاش جسده، ويرجح المؤرخون أن تلك الأوراق لم تكن سوى ورقات "الكاميليا الصينية" المستخدمة حتى يومنا هذا.

ووصفت أساطير أخرى الإمبراطور بأنه كان يمضغ أوراق النباتات وسيقانها للتثبت من خصائصها ومدى سموميتها، وكان يعتمد على الشاي كمضاد فعال للسموم وعلاج لالتهابات المعدة.

ويؤكد المؤرخون أن الصينيين استهلكوا الشاي كعلاج ومشروب خلال فترة سلالة "هان" (202 - 220 م)، وعُثر على حاويات مخصصة لحفظه في المقابر الإمبراطورية، قبل أن يتم تعميم إنتاجه وتحويله إلى مشروب وطني مميز خلال فترة سلالة "تانغ" الحاكمة (618 - 907 م).

 

من تجارة الشرق إلى طقوس النبلاء

وانتظر الأوروبيون حتى أواخر القرن السادس عشر ليتعرفوا على الشاي عبر التجار والمبشرين البرتغاليين الذين سافروا إلى أقصى الشرق، إلا أنه لم يسجل انتشاراً واسعاً في البرتغال حينها.

ويعود الفضل الأساسي في توطين الشاي بأوروبا إلى الهولنديين حيث لعب تجارهم عام 1606 دوراً بارزاً في استيراد ونقل أولى الكميات الضخمة من الشاي عبر جزيرة جاوة، ليكتسب شعبية جارفة في هولندا ثم ينطلق منها إلى بقية أرجاء أوروبا الغربية.

ومع النصف الثاني من القرن السابع عشر، تحول الشاي إلى أحد أهم السلع الاستراتيجية، ورغم الرقابة الصارمة والجمارك التي فرضتها بريطانيا على البضائع الآسيوية، بدأت المقاهي الإنجليزية ببيعه للزبائن الذين أطلقوا عليه "المشروب الصيني".

وجاءت نقطة التحول التاريخية عام 1662 عقب زواج الملك تشارلز الثاني من الأميرة البرتغالية "كاثرين باراغانزا"، التي كانت تعشق الشاي وجلبت معها كميات منه إلى الجزر البريطانية، مما ساهم في تحويله سريعاً إلى مشروب الطبقة النبلاء وظهور طقوس "شاي الساعة الخامسة" الشهيرة كجزء أصيل من الهوية الثقافية البريطانية.

 

مشروب الشعب الاستراتيجي وسلطان المزاج

وإذا كان لكل دولة طقوسها، فإن للشاي في مصر قصة أخرى تكتب بمداد من الحب، حيث يحتل الشاي صدارة المشروبات الساخنة في قلوب وعقول المصريين، فهو ليس مجرد نبات يغلى، بل هو "معدل المزاج الأول"، والرفيق الوفي في السراء والضراء، وفي الشقاء والراحة.

ويستهلك المصريون الشاي بكميات ضخمة تجعل مصر من كبار مستوردي الشاي في المنطقة العربية وإفريقيا، ليكون بمثابة أمنٍ غذائي ونفسي للمواطن.

وفي مصر، تتعدد مسميات الشاي وطرق إعداده لتعكس ثقافة و"دماغ" شاربه، هناك الشاي الكشري وهو المشروب الرسمي السريع في المكاتب والبيوت، حيث توضع أوراق الشاي والسكر ويصب فوقهما الماء المغلي، و الشاي الصعيدي "المغلي" أو "المحبوك" كما يُطلق عليه في جنوب مصر، حيث يغلى الشاي مع الماء على النار مباشرة لفترة حتى يثقل قوامه ويصبح أسود كالحبر، ليمنح عمال الزراعة والبناء الطاقة والتركيز لمواصلة العمل الشاق، وشاى الخمسينة الذي يقدم في أكواب زجاجية صغيرة شفافة تبرر لونه "العنابي" الجذاب، وغالباً ما يُزين بورقة نعناع طازجة.

ولا يمكن الحديث عن الشاي في مصر دون المرور بالمقهى (القهوة بلغة المصريين)، فالرابط بين المقهى وكوب الشاي هو رابط وجودي؛ فالقهوة في مصر ليست مجرد مكان لتناول المشروبات، بل هي برلمان شعبي مصغر، ومنتدى ثقافي واجتماعي تلتقي فيه كافة أطياف المجتمع.

و على المقهى، يحل الشاي ضيفاً أساسياً في كل النقاشات في السياسة، والرياضة، وتحليل مباريات كرة القدم، وحكايات الرزق اليومي، يقول "القهوجي" جملته الشهيرة "شاي كشري مظبوط؟".

 

الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية: سلاسل الإمداد ومحاربة الفقر

وتتجاوز صناعة الشاي قيمتها التجارية لتصبح شريان حياة لملايين الأسر في البلدان النامية والأقل نمواً، وتعد دول مثل بنجلاديش، وسريلانكا، ونيبال، وفيتنام، وإندونيسيا، وكينيا، وملاوي، وماليزيا، وأوغندا، والهند، وتنزانيا من أبرز منتجيه.

ويشكل هذا القطاع مصدراً رئيساً للدخل ولعائدات التصدير في بعض الدول الأشد فقراً، كونه يوفر فرص عمل كثيفة العمالة في المناطق الريفية النائية والمحرومة اقتصادياً.

 

الفوائد الطبية المثبتة علمياً

ويحتوي الشاي على توليفة كيميائية فريدة تمنحه خصائص علاجية ووقائية مذهلة، أبرزها مضادات الأكسدة القوية مثل "البوليفينول" و"الكاتيكين"، والأشباه القلوية مثل "الكافيين" و"الثيوفيلين"، بالإضافة إلى الأحماض الأمينية والكلوروفيل. وتتنوع استخداماته الطبية

 

هل يمكن زراعة الشاي في أرض مصر؟

وبسبب الاستهلاك الضخم للشاي في مصر وارتفاع تكلفة استيراده بالعملة الأجنبية من دول مثل كينيا والهند، يبرز التساؤل الاستراتيجي، لماذا لا نزرع الشاي محلياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي؟و يؤكد الخبراء أن الظروف المناخية المطلوبة تطلب بيئة استوائية أو شبه استوائية محددة تشمل مناخ رطب معتدل الحرارة تراوح بين 18 و25 درجة مئوية، و تربة حمضية خصبة، جيدة الصرف، وغنية بالمواد العضوية.معدلات أمطار غزيرة أو مصدر ري دائم ومستمر.
 

مناطق جبلية مرتفعة نسبياً عن سطح البحر

وبالنظر إلى مناخ مصر الجاف والصحراوي، فإن زراعة الشاي على نطاق واسع تواجه صعوبات بالغة. ورغم وجود تجارب بحثية محدودة أجريت في محطات البحوث الزراعية بالإسكندرية، والفيوم، وبعض المناطق كشمال وجنوب سيناء وبعض أجزاء الدلتا (البحيرة وكفر الشيخ)، إلا أن النتائج الاقتصادية لم تكن مشجعة، إذ لم يعط النبات إنتاجاً تجارياً مجدياً بسبب انخفاض جودة الأوراق المقطوفة وارتفاع تكاليف الإنتاج والري مقارنة بالدول الاستوائية المعتمدة على الأمطار .

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة