التغير الكبير في حالة الصراع الدولي لم يعد مقتصرا على أدوات المواجهة، التي تراوحت بين الإدانة والعقوبات وصولا إلى المواجهة المباشرة، قبل أن تمتد إلى أبعاد أكثر تعقيدا ترتبط بالطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة والتكنولوجيا وغيرها، وإنما تجاوز حدود المعركة ذاتها نحو جبهات أخرى لا تقل أهمية عن الميدان الرئيسي، خاصة في ظل تصاعد الصراعات البينية داخل المعسكر الواحد، وهو ما خلق حالة متزايدة من التداخل بين مفهومي الخصم والحليف في كثير من الأحيان، كما تناولت في مقالات سابقة، ومن ثم، لم يعد التساؤل المطروح في اللحظة الراهنة يدور فقط حول كيفية إدارة المواجهة، بقدر ما أصبح مرتبطا بالتداعيات التي أفرزتها تلك الحالة شديدة السيولة على المكانة الدولية، وطبيعة الأدوار التي باتت الدول تسعى إلى القيام بها داخل الصراع في صورته المستحدثة.
وسيولة المكانة الدولية تتجلى في تلك الحالة التي يصبح فيها موقع الدولة داخل النظام العالمي أكثر قابلية للتغيير، صعودا أو هبوطا، وفقا لقدرتها على التموضع داخل التحولات والأزمات التي تطرأ على الساحة الدولية، وهو ما تعززه المعطيات الراهنة، وفي مقدمتها تحول الصراعات إلى أسواق مربحة لإعادة توزيع النفوذ والأدوار، بما يدفع نحو اتساعها جغرافيا وامتدادها زمنيا، بصورة تسمح للأطراف الفاعلة بإعادة التموضع بصورة مستمرة، ليس فقط لتحقيق مكاسب لحظية كما كان الحال في الحروب التقليدية، وإنما سعيا وراء مصالح أوسع نطاقا تتجاوز حدود اللحظة الراهنة أو حتى ما اصطلح على تسميته بـ"اليوم التالي للحرب".
ففي الماضي، كانت الدول أكثر قدرة على تثبيت مكانتها الدولية، في إطار ما تمتلكه من قوة اقتصادية وعسكرية بالإضافة إلى مدى انخراطها في تحالفات أكثر انسجاما تضم في عضويتها قوى مؤثرة، وهو ما سمح لها بالحصول على مزايا نسبية تحقق لها قدرا من الاكتفاء، وهو ما ساهم في إبطاء حركة الصعود أو التراجع، وهو ما يبدو في النموذج الصيني الذي استغرق عقودا حتى أصبح مؤثرا، وكذلك روسيا التي استفاقت من كبوتها بعد سنوات طويلة من انهيار الاتحاد السوفيتي.
إلا أن الأمور تبدو مختلفة في اللحظة الراهنة، في ضوء تنوع الصراعات، وتمددها، مما أعطى الإمكانية لدول ربما لا تحظى بالكثير من الإمكانات التقليدية، سواء اقتصادية أو عسكرية أو حتى في إطار التحالفات، للقيام بدور أكبر، من شأنه "إعادة تسعير" مكانتها على الساحة الدولية، سواء بفضل الجغرافيا أو قدرتها على توفير بدائل فيما يتعلق بسلاسل الإمداد، أو في إطار التكنولوجيا أو إدارة الأزمات والتوازنات، وهو ما جعل قيمة الدولة لا ترتبط فقط بحجم ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية، بقدر ما أصبحت مرتبطة أيضا بقدرتها على التحول إلى طرف مؤثر داخل الأزمات نفسها، سواء عبر التحكم في الممرات الحيوية، أو لعب أدوار الوساطة، أو توفير بدائل استراتيجية، أو حتى القدرة على التأثير في وتيرة الصراع وحدوده.
فلو نظرنا إلى أزمة غزة، والتي استمرت لعامين كاملين، نجد أن ثمة استثمارا مصريا لأبعاد الجغرافيا التي ترتبط مباشرة بميدان المعركة، ليتحول الدور من مجرد وسيط من شأنه الوصول إلى صيغ مؤقتة لوقف إطلاق النار، نحو رعاية القضية، إلى الحد الذي دفع أطرافا عدة للتحرك، نحو حلحلتها، وهو ما انعكس في تحركات لقوى ودول سعت إلى إيجاد موطئ قدم داخل الأزمة، سواء عبر المسار القضائي كما فعلت جنوب إفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، أو عبر التحركات السياسية الأوروبية المتعلقة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وهي التحركات التي تهدف في الأساس إلى إيجاد دور محوري داخل القضية المركزية في الشرق الأوسط، بعدما كانت على كاهل قوى دولية واحدة، لعقود طويلة من الزمن.
الأمر نفسه ينطبق على الأزمة الأوكرانية، والتي وضعت كييف في مركز الأجندة الدولية، عبر تحويل العملية العسكرية الروسية على أراضيها، والتي انطلقت في 2022، إلى القضية المركزية في أوروبا، وهو ما يعني القدرة على استغلال الأزمة إلى تعزيز الدور على الساحة الإقليمية والدولية، بما سمح لكييف بتحويل الحرب من تهديد وجودي إلى أداة لإعادة تثبيت حضورها داخل المنظومة الغربية، ورفع قيمتها الاستراتيجية داخل الحسابات الأوروبية والأمريكية بصورة لم تكن متاحة قبل اندلاع الحرب.
المكانة لم تعد ترتبط فقط بالقدرة على استثمار الأزمة، أو ما تمتلكه من إمكانات، وإنما أيضا في اختلاف طبيعة التحالفات، في إطار تداخل الأدوار، فالدولة الواحدة يمكنها أن تقوم بأكثر من دور داخل الصراع نفسه، وهو ما يبدو واضحا في الحالة الإيرانية، فقد تكون طرفا، على غرار أوروبا الغربية التي مازالت تسير على الخط الأمريكي عبر العقوبات التي تفرضها على طهران، بينما ترفض استمرار العملية العسكرية وكذلك تأبى الانخراط فيها، وهو ما يمنحها مساحة للوساطة وإن كانت خشنة، حتى تتمكن من تأمين العبور من مضيق هرمز.
وحتى الولايات المتحدة نفسها، بوصفها طرفا أصيلا في المواجهة مع إيران، تبدو منخرطة في إدارة وساطة ضمنية بين طهران وإسرائيل، بما يسمح بتحقيق أكبر قدر من المكاسب لحليفها التاريخي، مقابل الوصول إلى هدنة طويلة تخلق مساحات تفاوضية لاحقة، وهو ما يعكس حالة متزايدة من تداخل الأدوار داخل الصراع الواحد، بحيث لم تعد الدولة تتحرك من موقع ثابت، وإنما عبر مواقع متعددة ومتزامنة، من شأنها إعادة تسعير مكانتها بصورة مستمرة، خاصة كلما اتسعت قدرتها على التأثير في أكثر من مسار داخل الأزمة نفسها.
وبالتالي فإن النظام الدولي لم يعد قائما على هياكل جامدة أو مواقع ثابتة، والمكانة الدولية لم تعد ذات قيمة محددة كما كان الحال في السابق، بقدر ما أصبح أقرب إلى بيئة مفتوحة لإعادة التموضع بصورة مستمرة، بحيث باتت الأزمات والصراعات الممتدة تمثل أحد أهم محركات الصعود والتراجع داخل المنظومة الدولية، وهو ما يعكس أن العالم بات يتحرك بصورة متزايدة نحو حالة من "تعويم المكانة الدولية"، على غرار ما تناولته سابقا في إطار مفهوم " تعويم السيادة " المرتبط بـ GAPS أو الهندسة العالمية لصياغة السياسات ( Global Archticture for Policy Sovereignty )، والتي تناولتها كعنوان لسلسلة من المقالات السابقة، حيث لم تعد القيمة السياسية للدول قائمة على الثبات بقدر ما أصبحت خاضعة لإعادة التسعير المستمر وفقا لقدرتها على التموضع والتأثير داخل الأزمات والصراعات الممتدة.
وهنا يمكننا القول بأن الصراعات الحديثة ليست مجرد ساحات للمواجهة بين القوى الكبرى، بقدر ما تحولت إلى بيئات مفتوحة لإعادة تشكيل المكانة الدولية بصورة مستمرة، بحيث باتت قيمة الدولة أكثر ارتباطا بقدرتها على التموضع داخل الأزمات وإدارة الأدوار المتشابكة والتأثير في مسارات الصراع، لا بمجرد ما تمتلكه من أدوات القوة التقليدية وحدها، فكلما ازدادت الأزمات تعقيدا، واتسعت ساحاتها، وتداخلت أدوار أطرافها، أصبحت المكانة الدولية أكثر سيولة، وخضعت بصورة متزايدة لإعادة التسعير المستمر، وهو ما يعكس أن النظام الدولي الراهن لم يعد قائما على الثبات بقدر ما بات أقرب إلى حركة دائمة لإعادة توزيع النفوذ والأدوار بين القوى المختلفة، فالدول لم تعد تتحرك داخل نظام دولي ثابت، بقدر ما أصبحت تتحرك داخل سوق مفتوحة لإعادة تسعير الأدوار والمكانة بصورة مستمرة.