عزفت فرقة موسيقى الحرس الجمهورى النشيد الوطنى فى وداع رئيس وزراء الهند «نهرو» يوم 20 مايو، مثل هذا اليوم، عام 1960، بعد انتهاء زيارته لمصر، وتذكر جريدة الأخبار فى عددها الصادر فى نفس اليوم «20 مايو»: «أصدر الرئيس جمال عبدالناصر قرارا جمهوريا بالسلام الوطنى الجديد، وسيعزف رسميا ابتداء من اليوم، السلام هو موسيقى نشيد «والله زمان يا سلاحى/ اشتقت لك فى كفاحى»، تلحين كمال الطويل، وفى يوم 22 مايو 1960، قالت الأهرام: «السلام الجمهورى الجديد يعزف لأول مرة رسميا لنهرو».
كان هذا الاختيار نتيجة لمسابقة رسمية لتأليف موسيقى للسلام الوطنى الجمهورى، وفقا لجريدة الأخبار فى عددها يوم 17 نوفمبر 1958، ويذكر الدكتور محمد رفعت عبدالعزيز فى كتابه «النشيد الوطنى المصرى.. دراسة تاريخية»، أنه تقدم للمسابقة 170 مقطوعة، وفى النهاية اختارت لجنة التحكيم «والله زمان يا سلاحى»، وأعلنت الأخبار الخبر يوم 6 مايو 1960.
كان الطريق لاختيار «والله زمان يا سلاحى» سلاما وطنيا حافلا بأسرار كثيرة منذ أن كتبه صلاح جاهين، ولحنه كمال الطويل، وغنته سيدة الغناء العربى أم كلثوم، أثناء العدوان الثلاثى ضد مصر «بريطانيا وفرنسا وإسرائيل»، وبدأت غاراته يوم 29 أكتوبر 1956، وكشف لى كمال الطويل قصته فى لقائى به فى مسكنه بالزمالك عام 1997، وذكرتها فى كتابى «كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب».
يحكى «الطويل»: «كان العدوان الثلاثى يواصل هجماته البربرية، والنار تشتعل بداخلى، أخى فى الجبهة يحارب، وأنا أجلس فى بيتى، اتصلت بصلاح جاهين الذى اعتبره «جبرتى الثورة»، قلت له: «يا صلاح أنا فى دماغى مزيكة هأقولك شكلها»، كانت مزيكة شكلها حماسى، رد صلاح: «اقفل التليفون يا كمال»، وبعد فترة قليلة اتصل بى: اسمع يا كمال «والله زمان يا سلاحى/اشتقت لك فى كفاحى/ انطق وقول أنا صاحى/ يا حرب والله زمان».. يضيف الطويل: «اتصلت بى أم كلثوم، كان حالها زى حالى، سألتنى: انت بتعمل إيه؟.. قرأت لها كلمات جاهين، فطلبت منى الذهاب إلى فيلتها بالزمالك فورا، وهناك وجدت عازف الكمان أحمد الحفناوى، وعازف القانون عبده صالح، وعازف الإيقاع إبراهيم عفيفى، أذكر وقتها أن صفارات الإنذارات دوت منذرة بغارة جوية، وجلسنا جميعا على ضوء الشموع فى الدور العلوى، فوجئت بها تخرج إلى البلكونة، جريت وراها، قلت لها «أدخلى يا ست بدل ماشظية تصيبك»، ردت: شظية إيه يا كمال.. دا أنا نفسى أمسك طيارتهم أفعصها بصوابعى».
يؤكد «الطويل»: «غنت أم كلثوم النشيد بإحساس فاق تخيلى»، يضيف: «طلبوا مننا التسجيل فى استديو مصر، لأن الإذاعة مستهدفة، لكن أم كلثوم رفضت بحسم قائلة:«أموت فى الإذاعة أحسن ما حد يقول إن أم كلثوم هربت»، يكشف الطويل: «كان اللحن نوعية جديدة أقدمها كملحن شاب«33 سنة»، تخيلت أم كلثوم وهى تعبر عن الجندى المصرى، والمفروض أن الإيقاع المناسب هو «2/4» المعبر عن الحماس أثناء نقل الجنود لخطواتهم، غير أنى وضعت اللحن بإيقاع ثلاثى، لدرجة أخافت أم كلثوم فى البداية وسألتنى: أنا أعرف أقول ده يا كمال؟ قلت لها: «تقولى طبعا يا ست»، وبعد انتهاء التسجيل لا أنسى تعليقها: «أنت أرهقتنى قوى يا كمال».
يذكر صلاح جاهين القصة بتفاصيل أخرى، قائلا لمجلة الكواكب «17 مايو 1960»: «فى الأيام الأولى للعدوان الإجرامى، أحسست بغليان يصهر نفسى، ثم تحول هذا الغليان إلى بخار زفرته، فكان مطلع نشيد حماسى، حملته إلى كمال الطويل، ولكن كمال بعد أن قرأه، هز كتفه وقال لى: «لا يا صلاح.. أنا عايز كلمات تتفق مع اللحن اللى عملته امبارح»، ثم قام إلى البيانو واسمعنى لحنا أحسست أنه معركة عنيفة، واتفقنا على مضمون الكلمات، وجلست أكتب المطلع، ولكنى فوجئت باستدعائى لتغيير غلاف المجلة بآخر يتناسب مع الأحداث الجارية، فأسرعت إلى المجلة، وغيرت الغلاف، وتركت وضع الألوان لأحد الزملاء، وعدت مسرعا إلى كمال، ومعى مطلع النشيد، فلما قرأته عليه تناوله منى وأسرع إلى التليفون، وسمعته يتحدث إلى سيدة، وفهمت من الحديث أنه يكلم أم كلثوم، فذهلت، واشتدت دهشتى عندما علمت أن الفنانة الكبيرة أعجبت بالمطلع، إذ لم أكن أتصور أن هذه السيدة الذواقة للأدب والفن سترضى عن كلماتى وستغنيها».
يضيف «جاهين»: «فى الجو الرهيب القاتم الذى كانت تعيش فيه القاهرة.. بين الظلام، ودوى القنابل والمدافع، أتممت كلمات النشيد، وتوليت قراءته للسيدة أم كلثوم، وفى نفس هذا الجو لحن كمال النشيد، كان يأخذ ما أنظمه أولا بأول، ليلحنه أولا بأول، وفرغنا من مهمتنا فى الحادية عشرة مساء، وفى اليوم التالى قمنا كلنا، أم كلثوم وكمال وسيد إسماعيل وأنا بغناء النشيد، وكانت أم كلثوم برغم دوى القنابل شجاعة جدا ومرحة جدا، بل كانت هى التى تخفف عنا رهبة الموقف، وعندما أذيع لأول مرة أحسست بأننى فعلت شيئا، وأننى اشتركت فى المعركة، ولكنى لم أجرح فيها».
استمر العمل بهذا النشيد حتى قرر الرئيس السادات إلغاءه، واختيار «بلادى بلادى» بدلا منه وعزفه لأول مرة فى المطار يوم 31 مارس 1979 أثناء عودته من توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل فى واشنطن.