شهدت جماعة الإخوان خلال السنوات الأخيرة تحولًا جذريًا في أساليب عملها، حيث انتقلت من الاعتماد على التنظيم التقليدي والحشد الميداني إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على الدمج بين الحرب الإعلامية والأنشطة ذات الطابع الأكثر حدة.
وهذا التحول جاء نتيجة مباشرة لفقدان الجماعة قدرتها على التأثير داخل الشارع، ما دفعها إلى البحث عن أدوات بديلة تعيد من خلالها فرض حضورها ولو بشكل غير مباشر.
ميدان.. واجهة لإعادة التقديم
برزت حركة "ميدان" كأحد أبرز هذه الأدوات، حيث تم تقديمها ككيان مستقل يحمل خطابًا شبابيًا حديثًا، إلا أن تحليل محتواها يكشف أنها تعيد إنتاج نفس السرديات التي اعتمدت عليها الجماعة في السابق.
تركز “ميدان” على إنتاج محتوى رقمي مكثف عبر منصات التواصل، يتناول قضايا داخلية وإقليمية بزاوية نقدية، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى منصة لبث الشائعات وإعادة تدوير الأخبار بشكل يخدم خطابًا معينًا.
الشائعات كأداة استراتيجية
ولم تعد الشائعة مجرد وسيلة جانبية، بل أصبحت أداة مركزية في استراتيجية الجماعة. يتم اختيار موضوعات حساسة تمس حياة المواطنين، مثل الأوضاع الاقتصادية أو القضايا الاجتماعية، ثم يتم تضخيمها أو تحريفها، بهدف خلق حالة من القلق العام.
وتعتمد هذه العملية على لجان إلكترونية تعمل بشكل منظم، حيث يتم نشر المحتوى بكثافة وإعادة تداوله عبر حسابات متعددة لضمان وصوله إلى أكبر شريحة ممكنة.
تمويلات تدير المشهد من الخارج
ولا يمكن فصل هذا النشاط عن شبكات التمويل التي تدعمه، حيث تشير المعطيات إلى وجود تدفقات مالية تُستخدم في تشغيل المنصات الإعلامية، وإدارة الحملات الرقمية، وتوفير بنية تحتية تضمن استمرارية هذا النشاط.
هذه التمويلات تتيح للجماعة الحفاظ على حضور إعلامي رغم غيابها عن الواقع الميداني، كما تمنحها القدرة على التكيف مع التغيرات.
حسم.. الوجه الآخر للتحرك
في المقابل، يعكس الحديث عن “حسم” وجود بعد آخر في تحركات الجماعة، حيث يمثل هذا التنظيم أحد الأوجه الأكثر تشددًا.
ورغم محاولة الفصل بين هذه الكيانات، إلا أن وجود تقاطعات في الخلفيات والأسماء يثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بينها.
تكامل الأدوار بين الإعلام والعنف
تُظهر هذه المعطيات أن الجماعة تعتمد نموذجًا يقوم على توزيع الأدوار، حيث يتم تقديم واجهة إعلامية ناعمة عبر “ميدان”، بالتوازي مع تحركات أكثر حدة في الخلفية.
هذا التكامل يسمح للجماعة بالمناورة، ويمنحها القدرة على التحرك في مسارات متعددة دون الظهور بصورة مباشرة.
واقع مختلف وتأثير محدود
ورغم هذه الجهود، تواجه الجماعة تحديات كبيرة، أبرزها فقدان الثقة لدى قطاع واسع من المجتمع، وارتفاع مستوى الوعي، ما يجعل تأثير هذه الحملات محدودًا مقارنة بالماضي.
وفي النهاية، يبدو أن الإخوان تعيد تدوير أدواتها أكثر مما تقدم مشروعًا جديدًا، وهو ما يطرح تساؤلات حول قدرتها على تحقيق أي اختراق حقيقي.