«بكين» بين نار الحرب الأمريكية على إيران وفنزويلا وضغوط أسواق الطاقة.. كيف أعادت الضربات الجيوسياسية تشكيل أمن الطاقة الصينى؟.. التنين أمام اختبار قاس وخسائر تصل لـ3.25 مليون برميل يوميا وتواجه عجزا يصل لـ 35%

السبت، 02 مايو 2026 08:00 م
«بكين» بين نار الحرب الأمريكية على إيران وفنزويلا وضغوط أسواق الطاقة.. كيف أعادت الضربات الجيوسياسية تشكيل أمن الطاقة الصينى؟.. التنين أمام اختبار قاس وخسائر تصل لـ3.25 مليون برميل يوميا وتواجه عجزا يصل لـ 35% الصين والولايات المتحدة الأمريكية

تحقيق / أحمد عرفة جرافيك / أحمد جمال مرسي


<< الصين تفقد النفط الرخيص وتسعى لإعادة  هندسة استراتيجيتها الاقتصادية في مواجهة اضطرابات الإمدادات
<< مسؤول سابق بالبنتاجون: الصين فقدت نحو 30% من وارداتها النفطية نتيجة الاضطرابات في إيران وفنزويلا
<< بكين في مواجهة أخطر أزمة طاقة منذ عقود بسبب اعتماد على النفط المستورد بنسبة 74%
<< باحث مقيم ببكين: الأسواق الصينية ما زالت حتى الآن تُظهر قدرا لافتا من الاستقرار النسبي
<< الصين تواجه صدمة طاقية تهدد أمنها الاقتصادي وتستورد 11.5 مليون برميل يوميا
<< خبير شؤون دولية: الصين تستحوذ على 16% إلى 18% من الاستهلاك العالمي للطاقة وتواجه فجوة كبيرة في الإمدادات المستوردة بعد الحرب
<< خبيرة بالشأن الصيني: الصين تستورد 0.8 إلى 1.5 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني بين 300 إلى 500 ألف برميل يوميا من فنزويلا
<< خبير دولي: الاضطرابات في إيران وفنزويلا ضربت 25% إلى 30% من واردات الصين النفطية
 

في مطلع مارس الماضي، خرجت وزارة الخارجية الصينية، في خضم الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، لتؤكد أن بكين ستتخذ الإجراءات اللازمة لضمان أمنها الطاقي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطراب الإمدادات العالمية، حينها أكدت المتحدثة باسم الوزارة، ماو نينج، أن أمن الطاقة مهم للغاية للاقتصاد العالمي، وعلى جميع الأطراف ضمان إمدادات مستقرة وسلسة، معلنة أن الصين تعارض بحزم استخدام القوة لانتهاك سيادة وأمن الدول.

في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية تقلبات متسارعة، تبدو الصين، ثاني أكبر اقتصاد عالمي وأكبر مستورد للطاقة في العالم، أمام اختبار حقيقي لقدرتها على تأمين حاجاتها الاستراتيجية من النفط، فبينما تعتمد بكين على النفط الإيراني والفنزويلي كمصدرين رئيسيين يوفران لها أسعارا تنافسية وترتيبات دفع مرنة، جاءت الحرب الأمريكية على هذين البلدين لتضع التنين الصيني في مواجهة معقدة وغير مسبوقة، تهدد أمن الطاقة لديها وتضعف استقرار اقتصادها.

الصين واستيراد النفط الخام

الصين، التي بنيت جزءا كبيرا من نموها الصناعي على استيراد النفط الخام بأسعار مناسبة، تجد نفسها الآن مضطرة للبحث عن بدائل عاجلة وسط ضغوط سياسية واقتصادية دولية، الإمدادات المتقطعة من إيران وفنزويلا لا تعني فقط ارتفاع تكاليف الوقود والطاقة، بل تؤثر مباشرة على الصناعات الثقيلة والتصنيع والتجارة، مما يترجم إلى تباطؤ اقتصادي محلي وإعادة تقييم للمشروعات الاستثمارية.

هذا الواقع يسلط الضوء على هشاشة سلاسل الإمداد العالمية، ويكشف أن الاعتماد على مصادر طاقة محددة يجعل الاقتصادات الكبرى، مثل بكين، عرضة للضغوط الجيوسياسية، فالحرب الأمريكية، التي تستهدف إيران وفنزويلا، لا تؤثر على هذين البلدين فقط، بل تمتد آثارها لتخلق أزمة طاقة ومالية في الأسواق العالمية، ويقف الاقتصاد الصيني على خط مواجهة صعبة بين المحافظة على نموه الصناعي واستقرار سوق الطاقة داخليا وبين الضغوط الخارجية التي تقوض خططه الاستراتيجية.

في هذا السياق، تتزايد التساؤلات حول قدرة الصين على تعديل سياساتها الاستراتيجية للطاقة، وتنويع وارداتها، وتأمين بدائل مستدامة تحمي اقتصادها من الصدمات المفاجئة، في وقت تتصارع فيه الضغوط السياسية مع متطلبات السوق والالتزامات الدولية، فهل ستتمكن بكين من الصمود أمام هذه الأزمة المركبة أم أن الحرب الأمريكية على إيران وفنزويلا ستترك آثارا طويلة المدى على اقتصادها ونموها الصناعي؟

الصين والنفط الإيراني والفنزويلي

ويؤكد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن الصين كانت من أكثر الدول تأثرا بالأزمة المرتبطة بإمدادات الطاقة، نظرا لاعتمادها الكبير على استيراد النفط والغاز من الخارج، موضحا أن بكين تعد قوة صناعية كبرى تعتمد بشكل أساسي على مصادر الطاقة الأحفورية، رغم امتلاكها اكتفاء ذاتيا من الفحم الذي يمثل نحو 60% من مزيج الطاقة لديها.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الاعتماد الصيني على النفط والغاز المستورد يظل عنصرا حاسما في تشغيل اقتصادها، مشيرا إلى أن بكين تستورد ما يزيد على 11 إلى 12 مليون برميل يوميا من النفط الخام، وتأتي نسبة كبيرة من هذه الواردات من إيران، إلى جانب نحو 17% من روسيا، فضلا عن تنويعها لمصادر الاستيراد من دول الخليج وماليزيا وفنزويلا، في إطار استراتيجية تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مصدر واحد.

ويوضح أن أي اضطراب في الممرات الحيوية لنقل الطاقة، وعلى رأسها مضيق هرمز، ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد الصيني، حيث يمر عبر المضيق نحو 20 مليون برميل يوميا، بما يعادل نحو خمس احتياجات العالم من النفط، وهو ما يجعل توقفه أو تعطله يمثل صدمة كبيرة لسلاسل الإمداد العالمية، لافتا إلى أن بكين، باعتبارها من أكبر الدول المستوردة للطاقة عالميا، حيث تستحوذ على ما يتراوح بين 16% إلى 18% من الاستهلاك العالمي، تتأثر بشدة بأي تقلبات في أسعار النفط، خاصة أن أسعار البترول شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال الأزمة وصلت إلى نحو 116 دولارا للبرميل، وهو ما شكل ضغطا كبيرا على اقتصاد التنين الصيني.

ويقول أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن احتمالات تجدد التوترات في المنطقة، وما يصاحبها من تهديدات بإغلاق مضيق هرمز، تظل مصدر قلق كبير، حيث قد تؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، الأمر الذي سينعكس سلبا على ميزانيات الدول المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الصين، موضحا أن المستقبل يتجه بقوة نحو الطاقة المتجددة والنظيفة، وهذا التوجه لم يعد خيارا، بل ضرورة تفرضها الأزمات العالمية المتكررة في قطاع الطاقة.

هيبة الصين

وتتعرض هيبة الصين ومصداقية شراكاتها الاستراتيجية لاهتزاز غير مسبوق، نتيجة الضربات الأمريكية المباشرة على أقرب حليفين لها وأهم مصدرين للطاقة، إيران وفنزويلا، دون أي اعتبار لموقف بكين، فبحسب تقرير معهد تشاتام هاوس البريطاني، قد تؤدي براجماتية بكين وتقاعسها إلى أضرار قصيرة الأجل لهيبتها والقيمة المتصورة لشراكاتها الاستراتيجية، ما يعكس هشاشة موقفها أمام التحديات الدولية.

أزمة طاقة عالمية

وتسبب تحرك دونالد ترامب في شن حرب ضروس على إيران خلال الأسابيع الماضية بأزمة طاقة عالمية، في حين لم يكلف نفسه حتى عناء التواصل مع الزعيم الصيني لمناقشة مسار الحرب وآليات وقفها، بينما تواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مباشرة، ونتيجة لذلك، يقف الصينيون عاجزين عن مواجهة الرئيس الأمريكي ، الذي يسعى لإعادة بوصلة تحالفات أنظمة إيران وفنزويلا من بكين إلى واشنطن، ما عزز انطباع بأن بكين تتجنب مواجهة مباشرة مع واشنطن حتى لو كان الثمن إضعاف نفوذها لدى حلفائها.

أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ
 

وأعلن فاتح بيرول، مدير وكالة الطاقة الدولية، أن العالم يواجه أكبر تهديد لأمن الطاقة في التاريخ، متوقعا تراجع الطلب العالمي بفعل ارتفاع الأسعار وإجراءات حكومية محتملة، كما كشف خلال بيان في 23 أبريل، عن فقدان 13 مليون برميل من النفط يوميا بسبب حرب إيران.

وفي ظل تصاعد تداعيات الحرب الإقليمية على أسواق الطاقة العالمية، تتكشف أبعاد جديدة للصراع تتجاوز حدود الجغرافيا، لتطال توازنات القوى الاقتصادية والسياسية بين القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والصين، التي وجدت نفسها في قلب أزمة إمدادات معقدة فرضت عليها تحديات غير مسبوقة.

خسارة 3.25 مليون برميل يوميا

وفي هذا السياق، يقول مايكل روبين، المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية "البنتاجون"، إن الصين تكبدت خسائر جزئية في وارداتها النفطية نتيجة الاضطرابات التي طالت الإمدادات القادمة من إيران وفنزويلا، وهما من أبرز الموردين الذين تعتمد عليهم بكين في تأمين احتياجاتها من الطاقة، موضحا أن حجم هذه الخسائر يُقدر بنحو 3.25 مليون برميل يوميا، وهو ما يعادل ما بين 25% إلى 30% من إجمالي احتياجاتها النفطية، الأمر الذي وضع الاقتصاد الصيني تحت ضغوط متزايدة خلال فترة الحرب.

 

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من واشنطن، أن هذه التطورات تطرح تساؤلات حول طبيعة رد الفعل الصيني، وما إذا كانت بكين قد تتجه إلى اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه واشنطن، أو حتى التدخل بشكل مباشر في مسارات الصراع، إلا أنه استبعد هذا السيناريو، مؤكدا أن بكين تميل إلى التحرك عبر القنوات الدبلوماسية أو من خلال أدوات غير مباشرة، مثل تعزيز التعاون العسكري مع شركائها أو نقل بعض المعدات الدفاعية، دون الانخراط في مواجهة مفتوحة.

ويشير إلى أن الصين، رغم صعودها الاقتصادي الكبير، لا تزال تفتقر إلى القدرة العسكرية التي تمكنها من بسط نفوذ واسع خارج حدودها على غرار الولايات المتحدة، موضحا أن بكين لم تخض حروبا كبرى منذ عام 1979، وهي تجربة لم تكن ناجحة، ما يجعل قيادتها أكثر حذرا في اتخاذ قرارات التصعيد العسكري.

خسائر الصين من النفط بسبب الحروب
خسائر الصين من النفط بسبب الحروب

 

ويوضح المسؤول السابق في وزارة الحرب الأمريكية، أن الولايات المتحدة لا تزال تحتفظ بتفوق استراتيجي واضح، خاصة فيما يتعلق بالانتشار العسكري العالمي وإدارة العمليات الخارجية، وهو ما يمنحها قدرة أكبر على التأثير في مسارات الصراعات الدولية مقارنة بالصين، لافتا إلى أن التنافس بين واشنطن وبكين ليس وليد هذه الأزمة، بل يمتد إلى مناطق متعددة حول العالم، لا سيما في أفريقيا وأمريكا اللاتينية، حيث تتسابق القوتان لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي.

ويقول إن هذا التنافس يعكس اختلافا جوهريا في الرؤى، حيث تسعى الصين إلى تحقيق مكاسب اقتصادية قائمة على مبدأ الربح والخسارة، بينما تنظر الولايات المتحدة إلى المشهد من زاوية أوسع تشمل اعتبارات أمنية واستراتيجية، مشيرا إلى أن المرحلة الحالية تشهد تحولات في طبيعة العلاقة بين البلدين، حيث بدأت واشنطن في تبني سياسات أكثر تشددا تجاه الصين، في إطار ما وصفه بـ"المعاملة بالمثل"، وهو ما قد يؤدي إلى تصاعد حدة التوتر بين الجانبين خلال الفترة المقبلة، في ظل استمرار الأزمات الجيوسياسية وتداخل المصالح الدولية.

خسائر الصين بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية
خسائر الصين بسبب الحرب الإيرانية الأمريكية

 

ضغط صيني على إيران

وتعد الصين أكبر مستورد للنفط في العالم، وتعتمد بشكل ملحوظ على الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، حيث تشير تقديرات إلى أن البراميل الإيرانية تشكل نحو 13% من واردات الصين المنقولة بحراً من الخام خلال 2025، فيما تمثل فنزويلا موردا مهما في أمريكا الجنوبية، إذ استحوذت شحنات الخام الفنزويلي على نحو 4% من واردات الصين المنقولة بحرا في 2025، في ظل استمرار اعتماد بعض المصافي الصينية المستقلة على هذه البراميل منخفضة السعر.

وكشف تقرير لوكالة بلومبرج أن بكين ضغطت على طهران لتجنب أي خطوات قد تعطل حركة الشحن في مضيق هرمز، بما في ذلك استهداف ناقلات النفط والغاز، وذلك قبل أيام من إعلان الهدنة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، خاصة بعد الخسائر الكبيرة التي تكبدها الاقتصاد الصيني خلال الأسابيع الماضية.

تجفيف منابع الطاقة

ويكشف المهندس أسامة كمال، رئيس لجنة الطاقة بمجلس الشيوخ، أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد إيران وفنزويلا سارت وفق منهجية تهدف بالأساس إلى إضعاف الاقتصاد الصيني، خاصة أن واشنطن بدأت بتحييد النفط في كاراكاس الذي يعد أكبر احتياطي عالمي يتجاوز 300 مليار برميل، ثم انتقلت المعركة إلى طهران التي كانت تمد الصين بـ 2.5 مليون برميل يوميا.

ويوضح أنه حال جمع الفاقد من النفط الفنزويلي والإيراني، نجد أن الصين فقدت ملايين البراميل يوميا، وهو ما يمثل ضربة قاصمة للشريان الاقتصادي الصيني عبر تجفيف منابع الطاقة، لافتا إلى أن ما يحدث في الممرات الملاحية والعمق الإيراني هي حرب وجود اقتصادية تستهدف القوة الصينية الصاعدة عبر بوابة الطاقة.

ويشير إلى أن الهدف الاستراتيجي الخفي لما يجري هو إضعاف اقتصاد بكين، لاسيما أن بكين تواجه في الوقت الراهن عجزا يتراوح بين 30% إلى 35% في إمدادات البترول والمواد الخام، موضحا أن الطاقة هي الوجه الآخر للعملة التي تسمى الاقتصاد، ومن خلال ضرب مصادر الإمداد لمدة شهرين، يتم التأثير بشكل مباشر على القوة الاقتصادية الصينية.

شبكة العلاقات الاقتصادية للصين

وخلال سنوات، بنت الصين شبكة علاقات اقتصادية ضخمة مع إيران وفنزويلا، شملت النفط والاستثمارات والبنية التحتية وحتى التعاون العسكري. فقد كانت الصين المستورد الأكبر لنحو 80% من النفط الإيراني الرخيص، ووقعت مع طهران في 2021 اتفاقية شراكة استراتيجية لمدة 25 عاما بقيمة تقارب 400 مليار دولار، تغطي الاستثمارات في الطاقة والبنية التحتية والمصارف التي تشهد دمارا واسعا، كذلك في فنزويلا، حيث كانت بكين تتمتع بعلاقة شراكة استراتيجية قوية، وتمثل نحو 75% من صادرات النفط الفنزويلية في 2025 للمستورد الصيني، وغالبا ما كانت تُستخدم لسداد قروض ضخمة حصلت عليها كاراكاس خلال السنوات الماضية.

وفي خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي على وقع الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها الممتدة إلى فنزويلا، تتزايد الضغوط على الاقتصاد الصيني، وسط محاولات لإعادة التوازن إلى منظومة الإمدادات التي تعرضت لاهتزازات حادة خلال الفترة الأخيرة.

ميزات تفضيلية للنفط الإيراني والفنزويلي

وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور سعيد محمد أبو رحمة، الخبير في الشأن الإيراني، أن فقدان هذا الحجم من الإمدادات النفطية خلال الفترة الماضية شكل ضربة واضحة لسلاسل الإمداد الصينية، خاصة أن النفط الإيراني والفنزويلي كان يتمتع بميزات تفضيلية بالنسبة لبكين، سواء من حيث الأسعار المخفضة أو ترتيبات الدفع المرنة التي كانت تتيح الالتفاف على النظام المالي الغربي.

ويضيف في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن هذا الفقدان دفع الصين إلى التوجه نحو أسواق بديلة، مثل روسيا ودول الخليج وإفريقيا، إلا أن هذه البدائل جاءت بتكلفة أعلى وشروط أكثر صرامة، وهو ما انعكس بشكل مباشر على تكلفة الإنتاج الصناعي داخل الصين، وأسهم في زيادة الضغوط التضخمية، وإن كان ذلك بصورة نسبية.

ويوضح أن الأزمة لم تتوقف عند حدود التأثير الاقتصادي، بل امتدت إلى إعادة تشكيل الاستراتيجية الطاقوية الصينية، حيث سارعت بكين إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة، وتقليل الاعتماد على موردين معرضين للعقوبات أو التوترات السياسية، من خلال تعزيز شراكاتها مع دول أكثر استقرارا، إلى جانب التوسع في بناء وتخزين الاحتياطي الاستراتيجي من النفط لمواجهة أي صدمات مستقبلية.

ويشير إلى أن بكين أعادت كذلك التأكيد على توجهها نحو الطاقة البديلة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة النووية، باعتبارها خيارا استراتيجيا لتقليل الاعتماد على النفط المستورد، وتعزيز أمنها الطاقوي على المدى الطويل، لافتا إلى أن هذه الأزمة كشفت حدود قدرة الصين على حماية مصالحها في مناطق الصراع، خاصة بالمقارنة مع الولايات المتحدة التي تمتلك أدوات عسكرية وتحالفات أوسع، وهو ما دفع التنين الصيني إلى تبني نهج أكثر حذرا، يقوم على تجنب الانخراط العسكري المباشر، مقابل توسيع نفوذها الاقتصادي والدبلوماسي، من خلال لعب أدوار الوساطة وتعزيز مبادرات الاستقرار الإقليمي لضمان استمرار تدفق الطاقة.

ويوضح سعيد محمد أبو رحمة، أن الصين استفادت جزئيا من إعادة تشكيل السوق العالمية، حيث تمكنت في بعض الحالات من الحصول على النفط الروسي بأسعار مخفضة نتيجة العقوبات الغربية، ما ساهم في تعويض جزء من الفاقد، لكنه لم ينه التحديات بشكل كامل، خاصة أن الاعتماد المتزايد على مصدر واحد، مثل روسيا، يخلق مخاطر استراتيجية جديدة، مشيرا إلى أن هذه التطورات انعكست على مبادرة "الحزام والطريق"، حيث أصبحت مسارات نقل الطاقة، سواء البرية أو البحرية، أكثر حساسية، ما دفع بكين إلى تسريع تنفيذ مشروعات البنية التحتية، خاصة خطوط الأنابيب عبر آسيا الوسطى، لتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.

ويؤكد أن ما حدث لا يمكن اعتباره مجرد أزمة مؤقتة في الإمدادات، بل يمثل نقطة تحول استراتيجية دفعت الصين إلى إعادة تقييم شامل لأمنها الطاقوي، عبر مزيج من التنويع، والتخزين، والتحول التدريجي نحو مصادر الطاقة البديلة، مع الحفاظ على سياسة خارجية حذرة تتجنب الصدام المباشر، لكنها تسعى في الوقت ذاته إلى تقليل تأثير الهيمنة الأمريكية على أسواق الطاقة العالمية، موضحا أن التحركات الأمريكية في كل من فنزويلا وإيران تهدف في جانب منها إلى الضغط على بكين وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية، ومتوقعا أن تمتد هذه السياسات إلى مناطق أخرى، مثل إفريقيا، لا سيما نيجيريا، في إطار صراع أوسع على النفوذ، قد يقود في نهاية المطاف إلى ترتيبات وتحالفات دولية جديدة تعيد رسم خريطة العلاقات بين القوى الكبرى.

مخاوف بكين

مخاوف عديدة تنتاب بكين بعد الحروب الأمريكية على رأسها الخوف على أمن الطاقة، واستمرار استعداد واشنطن لفرض تغيير الأنظمة بالقوة العسكرية وهيمنة الولايات المتحدة على نقاط الاختناق في البنية التحتية للتجارة العالمية التي يقوم عليها الاقتصاد الصيني، ففي السنوات الأخيرة، تتصاعد داخل الأوساط السياسية والاقتصادية في الصين مخاوف متزايدة من التحولات العنيفة في البيئة الجيوسياسية العالمية، خاصة مع توسع نطاق التدخلات والحروب التي تقودها واشنطن في أكثر من إقليم استراتيجي، سواء في الشرق الأوسط أو في أمريكا اللاتينية.

هذه المخاوف لا تتعلق فقط بطبيعة الصراعات العسكرية ذاتها، بل تمتد لتشمل ما هو أعمق وأخطر، حيث إعادة تشكيل مسارات التجارة العالمية، والتحكم في نقاط العبور الحيوية للطاقة والسلع، وإعادة هندسة سلاسل الإمداد الدولية بما يخدم مراكز النفوذ التقليدية في الاقتصاد العالمي.

في الشرق الأوسط، حيث تتشابك مصالح الطاقة والنفوذ السياسي، تنظر بكين بقلق إلى تداعيات أي تصعيد عسكري يطال دولا محورية مثل إيران أو يمتد تأثيره إلى الممرات البحرية وخطوط نقل النفط، وهو ما قد ينعكس مباشرة على أمن الطاقة الصيني الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الاستيراد المستقر والمنتظم، أما في أمريكا اللاتينية، وتحديدا في دول مثل فنزويلا، فإن الضغوط والتوترات المستمرة تعيد تشكيل خريطة الإمدادات النفطية وتدفع نحو مزيد من عدم الاستقرار في الأسواق التي تعتمد عليها بكين في تنويع مصادرها من الخام.

وترى دوائر التخطيط الاستراتيجي في الصين أن التوسع الأمريكي في إدارة الأزمات الدولية لا يقتصر على البعد العسكري أو السياسي، بل يمتد إلى السيطرة غير المباشرة على البنية التحتية للتجارة العالمية، بما في ذلك الموانئ الحيوية، وخطوط الشحن البحري، وشبكات التمويل والتأمين البحري، وحتى الممرات الرقمية التي أصبحت جزءا أساسيا من حركة التجارة الحديثة، هذا النفوذ المتشعب يمنح واشنطن قدرة مؤثرة على ضبط إيقاع التجارة الدولية، وإعادة توجيه تدفقات السلع والطاقة بما يحقق مصالحها الاستراتيجية.

وفي هذا السياق، تجد الصين نفسها أمام معادلة معقدة، كيف تحافظ على استقرار نموها الاقتصادي الضخم في ظل نظام عالمي تتزايد فيه حدة التوترات الجيوسياسية وتُستخدم فيه أدوات الاقتصاد والتجارة كامتداد للصراع السياسي؟ فكل اضطراب في مناطق الإنتاج أو النقل أو التمويل ينعكس مباشرة على المصانع الصينية، وسلاسل التوريد العالمية التي ترتبط بها بكين ارتباطا وثيقا، ما يجعل أي أزمة إقليمية قابلة للتحول سريعًا إلى أزمة اقتصادية عالمية واسعة النطاق.

وهكذا لا تبدو المخاوف الصينية مجرد رد فعل على أحداث متفرقة، بل تعكس إدراكا متزايدا بأن موازين القوة في العالم لم تعد تُرسم فقط في ساحات الحرب التقليدية، بل أيضا في ممرات التجارة، وشبكات الطاقة، والبنية التحتية التي تقوم عليها العولمة نفسها، في ظل تداعيات التي ظهرت مع الحرب الأمريكية الإيرانية وما سبقها من اضطرابات في فنزويلا، تتزايد التساؤلات حول حجم تأثر الاقتصاد الصيني، خاصة في قطاع الطاقة الذي يمثل عصبا رئيسيا للنمو الصناعي في بكين، وسط محاولات حثيثة من بكين لاحتواء الصدمات والحفاظ على استقرار إمداداتها.

سياسة الالتفاف الذكي

وفي هذا الإطار، يؤكد هشام البقلي، مدير مركز القادة للدراسات، أن تأثير الحرب على الصين لا يمكن إنكاره، خاصة في ظل اعتمادها الكبير على واردات النفط من الخارج، موضحا أنه وفقا للأرقام الرسمية، قد تكون الصين خسرت نسبة كبيرة من وارداتها النفطية اليومية، وإن كان ذلك يمثل التقدير النظري للأزمة.

ويشير في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن الصورة على أرض الواقع تبدو أكثر تعقيدا، حيث لجأت الصين إلى ما وصفه بـ"سياسات الالتفاف الذكي"، من خلال الاستمرار في الحصول على النفط الإيراني والفنزويلي عبر وسطاء، بما يعني تأمين الإمدادات بشكل غير مباشر، وهو ما خفف من حدة الصدمة الأولية التي تعرضت لها.

ويوضح أن بكين لم تكتف بذلك، بل عملت على تنويع مصادرها بشكل أكبر، من خلال زيادة الاعتماد على النفط القادم من دول الخليج، إلى جانب تعزيز علاقاتها مع شركاء أكثر استقرارا في سوق الطاقة العالمي، بما يضمن استمرارية التدفقات وتقليل المخاطر الجيوسياسية، مؤكدا أن من بين الأدوات المهمة التي استخدمتها الصين في مواجهة الأزمة، التوسع في ملء الاحتياطي الاستراتيجي من النفط، وهو ما منحها قدرا من المرونة في التعامل مع أي نقص مفاجئ في الإمدادات، إلى جانب التوجه المتسارع نحو الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة، كجزء من استراتيجية طويلة الأمد لتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

ويقول هشام البقلي إن الصين اتجهت أيضا إلى تعزيز العقود طويلة الأجل مع شركاء موثوقين، في محاولة لتأمين احتياجاتها بعيدا عن تقلبات السوق الفورية، وهو ما يعكس إدراكا صينيا مبكرا لطبيعة الأزمات المتكررة في قطاع الطاقة العالمي، مشيرا إلى أن بكين رغم تأثرها الواضح بالحرب، أظهرت قدرا كبيرا من المرونة في إدارة الأزمة، من خلال مزيج من الحلول التقليدية والبديلة، إلا أن استمرار التوترات الإقليمية قد يفرض عليها تحديات أكبر في المستقبل، خاصة في ظل ارتباط أمنها الطاقي باستقرار مناطق الإنتاج والنقل حول العالم.

ورغم هذه الإجراءات، يوضح أن الاقتصاد الصيني لم يكن بمنأى عن التأثر، فتكلفة التأمين على الشحنات النفطية ارتفعت إلى أكثر من الضعف خلال الحرب، وهو ما زاد من الأعباء المالية، فضلا عن اضطرار بكين إلى شراء النفط بأسعار أعلى مقارنة بالفترات السابقة، واعتماد التنين على التدفق اليومي للنفط جعله يلجأ إلى استخدام جزء من مخزونه الاستراتيجي، لتغطية أي فجوات في الإمدادات، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي واجهتها خلال الأزمة.

بلغت واردات الصين من النفط الخام، وهي أكبر مستورد له في العالم، مستوى قياسيا في عام 2025 وصل إلى 11.55 مليون برميل يوميا، إلا أن هذا الرقم، على ضخامته، لا يقدم الصورة كاملة، حيث وجهت بكين نحو 430 ألف برميل يوميا من هذه الواردات إلى التخزين خلال العام نفسه، كما أن بكين تعتمد على الاستيراد لتلبية 74 % من احتياجاتها النفطية، في حين لا يغطي إنتاجها المحلي سوى ربع استهلاكها، وفي عام 2024، شكلت روسيا وإيران وفنزويلا مجتمعة 33 % من واردات التنين الصيني من الخام، وهي ثلاث دول خضعت لعقوبات أمريكية، يصل نفطها إلى السوق الصينية عبر أساطيل الظل وصفقات المقايضة وبخصومات كبيرة.

 

خسائر اقتصادية كبيرة للصين

في ظل التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، بدأت التداعيات الاقتصادية تمتد إلى رأسها الصين، التي تعتمد بشكل كبير على استقرار أسواق الطاقة العالمية، ما انعكس بوضوح على مؤشرات أدائها الاقتصادي خلال الأشهر الأخيرة وبالتحديد في شهر مارس.

وكشفت البيانات الاقتصادية الصينية عن تباطؤ ملحوظ في الصادرات الصينية خلال مارس، إذ لم تتجاوز نسبة النمو 2.5% فقط، مقارنة بقفزة بلغت 21.8% في مطلع العام الجاري، وهو رقم أقل بكثير من التوقعات، ويعد أول مؤشر واضح على أن التوترات في مضيق هرمز بدأت تترجم إلى خسائر اقتصادية فعلية، مدفوعة بما يمكن وصفه بـ"صدمة الطاقة".

ولم تتوقف التأثيرات عند الصادرات، بل امتدت إلى واردات الطاقة، حيث انخفضت واردات الغاز الصينية بنسبة 10.7%، فيما تراجعت واردات النفط بنحو 2.8%، بالتزامن مع تكدس سفن الشحن الصينية وانتظارها العبور عبر مضيق هرمز، ما يزيد من تكاليف النقل ويؤخر سلاسل التوريد.

خسائر الصين الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية
خسائر الصين الاقتصادية بسبب الحرب الأمريكية الإيرانية

 

حتى الرهان الصيني على التكنولوجيا، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، لم ينجح حتى الآن في تعويض تلك الخسائر أو تقليل الاعتماد على الطاقة التقليدية، وهو ما يضع ضغوطًا إضافية على الاقتصاد الصيني في مواجهة أزمات جيوسياسية معقدة.

سياسيا، لم تقف بكين موقف المتفرج، إذ تحركت على أكثر من مستوى، حيث أكد الرئيس الصيني، شي جين بينج أن بلاده ستلعب دورا فاعلا في دفع مسار المفاوضات بين واشنطن وطهران، مع التشديد على ضرورة احترام سيادة وأمن دول الخليج، بينما في الكواليس، تتزايد الأحاديث عن دور صيني محتمل في تثبيت وقف إطلاق النار، بل وتقديم ضمانات لأي اتفاق مستقبلي، في مؤشر واضح على أن الصين هذه المرة لا تكتفي بالمراقبة، بل تسعى لأن تكون جزءا من الحل، في محاولة لحماية مصالحها الاقتصادية وتقليل خسائرها الناجمة عن هذا الصراع المتصاعد.

في تقرير حديث، سلطت شبكة CNN الأمريكية، ن الضوء على التداعيات الاقتصادية السلبية المتزايدة التي تواجهها الصين، في أعقاب تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ألقت بظلالها الثقيلة على أسواق الطاقة العالمية والاقتصادات المرتبطة بها.

 

وأكدت الشبكة الأمريكية، أن الحكومة الصينية منحت مصافي التكرير الحكومية الضوء الأخضر لاستغلال الاحتياطيات النفطية التجارية، في محاولة لاحتواء تداعيات اضطراب الإمدادات مع استمرار الحرب، ومع ذلك، أكدت أن بكين ليست بمنأى عن صدمات الأسعار في سوق الطاقة العالمية شديدة التقلب.

مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني
مقارنة بين الاقتصاد الأمريكي والصيني

وفي هذا السياق، تدخلت الهيئة المركزية الصينية للتخطيط الاقتصادي عدة مرات للحد من آثار الارتفاع العالمي في أسعار الديزل والغاز، إلا أن انعكاسات هذه الزيادات بدأت تتسلل تدريجيًا إلى مفاصل الاقتصاد، واضطرت شركات الطيران الصينية إلى رفع أسعار التذاكر نتيجة ارتفاع تكاليف وقود الطائرات، في وقت سجلت فيه تكاليف وقود النقل زيادة شهرية بلغت 10% خلال مارس.

 

كما أشار التقرير إلى أن أسعار منتجات المصانع في الصين شهدت ارتفاعا الشهر الماضي، للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاث سنوات، وهو ما يمثل تحولا لافتا ينهي دورة انكماشية طويلة أرقت صانعي السياسات الاقتصادية في البلاد، إلا أن هذا التحول لا يحمل بالضرورة مؤشرات إيجابية، حيث إن التضخم الناجم عن ارتفاع التكاليف، وليس عن زيادة الطلب، قد يفاقم الضغوط الاقتصادية بدلا من تخفيفها.

مقارنة بين الناتج المحلى والصادرات والواردات بين الولايات المتحدة والصين
مقارنة بين الناتج المحلى والصادرات والواردات بين الولايات المتحدة والصين

وفي هذا الإطار، يوضح جو بيسيل، كبير محللي الاقتصاد الكلي في شركة تريفيوم تشاينا الاستشارية، في مذكرة حديثة، أن هذا النوع من التضخم يقلص هوامش الربح بدلا من زيادتها، ويضغط على دخل الأسر المتاح للإنفاق، دون أن يسهم في تحسين ثقة المستهلك أو رفع معدلات الاستهلاك.

ويخلص تقرير الشبكة الأمريكية، إلى أن استمرار الحرب وتداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي من شأنه أن يضاعف الضغوط على الاقتصاد الصيني، الذي يعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات، خاصة في ظل تراجع الطلب المحلي، ما يضع بكين أمام تحد مزدوج بين تباطؤ خارجي وضعف داخلي.

وجهة نظر مختلفة

بينما في وجهة نظر مخالفة للسطور السابقة، يؤكد الدكتور جاد رعد، الخبير في الشأن الصيني، أن الأسواق الصينية ما زالت حتى الآن تُظهر قدرا لافتا من الاستقرار النسبي، موضحا أن الأسعار في المتاجر والمطاعم لم تشهد تغيرات تُذكر منذ بداية الحرب وبعد حدوث الهدنة، باستثناء زيادات محدودة في بعض القطاعات، وعلى رأسها الوقود، حيث ارتفع سعر البنزين بنحو 1.8 يوان لكل لتر، إلى جانب زيادة في أسعار تذاكر الطيران، الأمر الذي دفع شريحة واسعة من المواطنين إلى الاعتماد بشكل أكبر على القطارات بين المدن ووسائل النقل الجماعي داخلها.

وانتقل رعد خلال تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، من بكين، إلى تحليل أعمق لأسباب صمود الاقتصاد الصيني نسبيا أمام هذه الأزمة، مشيرا إلى أن الصين تمتلك مخزونا استراتيجيا ضخما من الطاقة، يشكل خط دفاع أول في مواجهة أي اضطرابات مفاجئة في الإمدادات العالمية.

ويضيف أن استمرار تدفق النفط والغاز عبر الخطوط المفتوحة مع روسيا عزز من قدرة بكين على امتصاص الصدمات، إلى جانب مشروعات الطاقة الكبرى، مثل مجمعات البتروكيماويات، التي أسهمت في تقليل حدة التأثر بالأزمة، موضحا أن الصين تعد من أقل الدول تضررا نسبيا، ليس فقط بسبب تنوع مصادر الطاقة، بل أيضا بسبب طبيعة بنيتها الاقتصادية، حيث تعتمد قطاعات واسعة، خاصة المواصلات الداخلية والصناعة، على الكهرباء بدلا من النفط، وهو ما يقلل من حساسية الاقتصاد لأي تقلبات في أسواق الوقود الأحفوري.

ويشير إلى أن هذا التوجه ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج استراتيجية طويلة الأمد اعتمدتها الصين للتحول نحو الطاقة النظيفة، مؤكدا أن بكين، على عكس ما تروج له بعض الدول الغربية، قطعت شوطا كبيرا في الاعتماد الفعلي على مصادر الطاقة المتجددة، إلى جانب التوسع في استخدام الطاقة النووية، وهو ما يمنحها مرونة عالية في إدارة الأزمات.

وفي السياق ذاته، يوضح الدكتور جاد رعد إلى أن التحولات الجيوسياسية العالمية، خاصة بعد توقف أوروبا عن استيراد النفط والغاز من روسيا، منحت الصين فرصة استراتيجية لتعزيز أمنها الطاقي، حيث قامت بشراء كميات كبيرة من هذه الموارد، بل وزادت وارداتها تدريجيًا، مستفيدة من الأسعار التنافسية وتوافر الإمدادات، مضيفا أن بكين لا تعتمد فقط على روسيا، بل تمتلك أيضا شبكة متنوعة من مصادر الطاقة، تشمل دول آسيا الوسطى، وهو ما يعزز من قدرتها على تأمين احتياجاتها وتقليل المخاطر المرتبطة بأي مصدر منفرد.

 

التحول نحو الطاقة النظيفة

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها سوق الطاقة العالمي، تجد الصين نفسها أمام تحد استراتيجي معقد يتمثل في تأمين احتياجاتها المتزايدة من الطاقة، في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية وتتعرض فيه إمدادات النفط التقليدية لاضطرابات متكررة، هذا الواقع دفع بكين إلى إعادة صياغة رؤيتها لمستقبل الطاقة، والانتقال تدريجيا من الاعتماد المفرط على الوقود الأحفوري إلى تبني نموذج أكثر استدامة يقوم على التوسع في مصادر الطاقة المتجددة، باعتبارها خيارا ليس فقط بيئيا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.

لم يعد التحول نحو الطاقة النظيفة في الصين مجرد استجابة للضغوط الدولية المتعلقة بالمناخ، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من استراتيجية وطنية شاملة تهدف إلى تقليل التعرض لصدمات أسواق النفط العالمية، وتعزيز الاستقلالية في القرار الاقتصادي، فمع كل أزمة تضرب إمدادات النفط، سواء نتيجة نزاعات دولية أو عقوبات أو تقلبات الأسعار، تتزايد القناعة داخل دوائر صنع القرار بأن أمن الطاقة لا يمكن أن يظل رهينة لعوامل خارجية متغيرة، وأن البدائل المحلية والمتجددة تمثل صمام أمان طويل الأمد.

وفي هذا الإطار، كثفت الصين استثماراتها في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إلى جانب تطوير تقنيات تخزين الطاقة والشبكات الذكية، بما يسمح لها بإعادة هيكلة مزيج الطاقة لديها بشكل تدريجي ومدروس، وهذه الجهود لا تستهدف فقط سد الفجوة المحتملة في إمدادات النفط، بل تسعى أيضا إلى خلق نموذج تنموي جديد أكثر كفاءة واستدامة، قادر على دعم النمو الصناعي دون تعريض الاقتصاد لمخاطر التقلبات الخارجية.


ويؤكد جاد رعد أن "ورقة الجوكر" الحقيقية التي تمتلكها الصين تكمن في قدرتها على تقليل الاعتماد على النفط في عدد كبير من القطاعات الحيوية، بفضل البنية التحتية الكهربائية المتطورة، والتوسع في وسائل النقل الكهربائي، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الطاقة النظيفة، لافتا إلى أن بكين تستثمر بقوة في مشروعات مستقبلية قد تحدث تحولا جذريا في قطاع الطاقة، وعلى رأسها مشروع "الشمس الاصطناعية"، وما يرتبط به من تطبيقات تكنولوجية متقدمة، مثل ما يعرف بـ"الذهب الاصطناعي"، ورغم بقاء هذه المشروعات في مراحلها التجريبية، فإنها تحمل إمكانات واعدة قد تتيح للتنين الصيني في المستقبل تقليل اعتماده على الوقود الأحفوري بشكل غير مسبوق، وتعزيز مكانتها كقوة رائدة في مجال الطاقة عالميا.

تعزيز مكانة بكين

وذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية أن الصين تعمل على ترسيخ مكانتها بوصفها قوة استقرار بعد الحروب التي شنتها الولايات المتحدة على كل من إيران وفنزويلا، حيث إن الضربات العسكرية التي شنها ترامب ضد البلدين تتيح فرصا لتعزيز مكانة بكين بديلا موثوقا ومستقرا للنظام العالمي الذي تقوده واشنطن.

وأضافت الصحيفة، أن إجراءات إدارة ترامب قد يكون لها تداعيات حقيقية على الصين لأن فنزويلا وإيران تعدان ركيزتين أساسيتين في التحالف المناهض للولايات المتحدة الذي يقوده الرئيس الصيني، بالتعاون مع الرئيس الروسي، في مسعى لتعزيز النفوذ بين خصوم الولايات المتحدة، وتأمين إمدادات الطاقة، وإثبات أن واشنطن لم تعد الجهة المهيمنة على السياسة العالمية، وكذلك كوبا، التي هددها الرئيس الأمريكي أيضا.

التوسع في الطاقة المتجددة يمنح الصين ميزة تنافسية في الاقتصاد العالمي، حيث تسعى لتكون لاعبا رئيسيا في صناعة التكنولوجيا الخضراء، بدءا من تصنيع الألواح الشمسية وصولا إلى بطاريات السيارات الكهربائية، وهذا التوجه لا يعزز فقط أمن الطاقة، بل يفتح آفاقا جديدة للنمو والتصدير، ويعيد تشكيل موقع الصين في سلاسل القيمة العالمية.

 

تنويع مصادر الطاقة

وبينما تتزايد الضغوط على أسواق النفط التقليدية، يبدو أن الصين تمضي بخطى ثابتة نحو بناء منظومة طاقة أكثر تنوعا واستقلالية، في محاولة لتقليل تأثير الأزمات العالمية على اقتصادها، وترسيخ نموذج جديد يوازن بين متطلبات التنمية واستحقاقات الاستدامة، وفي قلب هذا التحول، تبرز الطاقة المتجددة كخيار استراتيجي يعيد رسم ملامح المستقبل الاقتصادي للصين في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة.

ويؤكد الدكتور ثروت راغب، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن العالم يتجه حاليا نحو تنويع مصادر الطاقة، من خلال الاعتماد على طاقة الرياح والطاقة الشمسية والطاقة النووية، إلى جانب الهيدروجين الأخضر، موضحا أن الصين تعد من الدول الرائدة في تصنيع الألواح الشمسية، وهو ما يمنحها ميزة نسبية في التحول نحو الطاقة النظيفة.

ويشير إلى أن التحول العالمي نحو الطاقة المتجددة يمثل الاتجاه السائد في المرحلة المقبلة، حيث تسعى كبرى الاقتصادات، سواء في الولايات المتحدة أو أوروبا، إلى تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري، في ظل التحديات الجيوسياسية والبيئية التي يشهدها العالم.

 

تحذير أمريكي ونفي صيني

في 11 أبريل، وخلال المفاوضات القائمة بين واشنطن وطهران، خرج دونالد ترامب ليهدد بكين حال تقديم أي سلاح لإيران، حيث قال حينها :"لا يعتقد أن الصين ستقدم أسلحة للنظام الإيراني"، محذرا من أنها إذا فعلت ذلك، فإن الإدارة الأمريكية ستفرض عليها رسوما جمركية بنسبة 50%.

 

جاءت هذه التصريحات بعدما كشفت شبكة "سي إن إن" الأمريكية في 10 أبريل عن مصادر استخبارية أمريكية تأكيدها أن بكين تستعد لشحن أسلحة إلى طهران وسط الهدنة المؤقتة، موضحة أن معلومات مخابراتية تشير إلى أن الصين تستعد لتسليم شحنة من منظومات الدفاع الجوي الجديدة إلى إيران في غضون الأسابيع القليلة المقبلة، كما تستعد لنقل أنظمة صواريخ مضادة للطائرات محمولة على الكتف.

القدرات العسكرية للولايات المتحدة والصين
القدرات العسكرية للولايات المتحدة والصين

بعدها بساعات نفت السفارة الصينية في واشنطن تقديم أسلحة لأي طرف من أطراف الصراع الأمريكي الإيراني، قائلة :"المعلومات المتداولة غير صحيحة، وباعتبارها دولة كبرى مسؤولة، تفي بكين باستمرار بالتزاماتها الدولية، ونحث الجانب الأمريكي على الامتناع عن إطلاق ادعاءات لا أساس لها، والربط بين الأمور بشكل ضار، والانخراط في الإثارة؛ ونأمل أن تبذل الأطراف المعنية المزيد للمساعدة في تهدئة التوترات".

صدام أمريكي صيني بسبب الحرب
صدام أمريكي صيني بسبب الحرب

 

بعدها بأيام لوح ترامب بحصار واشنطن لمضيق هرمز، لتخرج وزارة الخارجية الصينية ببيان في 14 أبريل، تؤكد فيه أن الحصار الأمريكي للموانئ الإيرانية أمر خطير وغير مسؤول، لافتة إلى أن التوسع في الانتشار العسكري الأمريكي لن يؤدي إلا لتفاقم التوترات.

هنا تؤكد الدكتورة غادة جابر، أستاذ العلوم السياسية، والخبيرة المتخصصة في الشأن الصيني، أن تأثير الحرب الأمريكية الإيرانية وتداعياتها على الصين لا يمكن فهمه من زاوية الإمدادات النفطية فقط، بل في إطار أوسع يتعلق بإعادة تشكيل أمن الطاقة العالمي، وسلاسل الإمداد، والتحولات الاستراتيجية في الاقتصاد الصيني.

وتوضح في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن إجمالي واردات الصين النفطية يتراوح بين 10 و11 مليون برميل يوميا، إلا أن الاعتماد المباشر على إيران وفنزويلا يظل محدودا نسبيا لكنه مهم من حيث الكلفة، إذ تستورد الصين من النفط الإيراني ما بين 0.8 إلى 1.5 مليون برميل يوميا، ومن النفط الفنزويلي ما بين 300 إلى 500 ألف برميل يوميا، ليصل الإجمالي الواقعي إلى ما بين 1.2 و2 مليون برميل يوميا، أي ما يعادل نحو 10% إلى 18% من واردات بكين، وليس 30% كما يشاع.

 

وتضيف أن هذه الواردات تتميز بأنها أقل تكلفة نتيجة الخصومات الكبيرة التي قد تصل إلى 20–30%، بسبب العقوبات المفروضة على تلك الدول، مشيرة إلى أن الصين استفادت خلال السنوات الأخيرة من إعادة توجيه سلاسل الإمداد، خاصة بعد حرب روسيا وأوكرانيا، حيث عوضت جزءا كبيرا من الفاقد عبر النفط الروسي المخفض السعر أيضا، ما جعلها تعتمد على استراتيجية شراء "النفط المعاقب" بأسعار تفضيلية.

حجم استيراد الصين للنفط من إيران وفنزويلا يوميا
حجم استيراد الصين للنفط من إيران وفنزويلا يوميا

وتشير إلى أن الصين تعتمد كذلك على العراق والسعودية، إلا أن جزءا من هذه الإمدادات يمر عبر ممرات بحرية شديدة الحساسية، وعلى رأسها مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يرفع من المخاطر الجيوسياسية، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، لافتة إلى أن الحرب الأخيرة انعكست بشكل مباشر على قطاع التكرير داخل بكين، كما أدت إلى ارتفاع تكاليف الشحن وأسعار التأمين وتأخير الإمدادات، ما دفع التنين الصيني إلى استخدام احتياطياته الاستراتيجي جزئيا لتخفيف الصدمة قصيرة الأمد.

وتقول الدكتورة غادة جابر، إن الصين تسارع في المقابل إلى تعزيز التحول نحو الطاقة البديلة، حيث ارتفعت الاستثمارات في الطاقة الشمسية والنووية، في إطار تقليل الاعتماد النسبي على النفط المستورد، معتبرة أن الأزمات النفطية المتكررة أصبحت تخدم الاستراتيجية الصينية طويلة المدى بدل أن تعرقلها.

وفي تقييمها للأثر الاقتصادي، تؤكد أن التأثير على الصين كان محدودا لكنه ملموس، تمثل في ارتفاع تكلفة الطاقة، وضغوط على القطاع الصناعي، وإعادة هيكلة جزئية لسلاسل الإمداد، دون الوصول إلى مستوى أزمة شاملة، لافتة إلى أن التفسير الأعمق لسلوك بكين يكمن في أنها لا تبني أمنها الطاقوي على مصدر واحد، بل تعتمد على التنويع الجغرافي، والشراء من الدول الخاضعة للعقوبات، وتخزين احتياطيات استراتيجية ضخمة، إلى جانب التوسع في الطاقة النظيفة.

فقدان ميزة السعر والمرونة
 

وتضيف أن الحرب الأمريكية على إيران وفنزويلا لم تحرم الصين من النفط، لكنها حرمتها من النفط الرخيص، وهو ما نقل الأزمة من أزمة إمدادات إلى أزمة تكلفة، حيث إن بكين لم تُحاصر طاقويا، لكنها أُجبرت على إعادة هندسة أمنها الطاقوي تحت الضغط الأمريكي.

وفيما يتعلق ببدائل الطاقة، تؤكد أن الصين بدأت هذا المسار منذ سنوات وليس كرد فعل طارئ، موضحة أنها توسعت في تنويع مصادر الاستيراد عبر روسيا من خلال خطوط أنابيب مباشرة، وآسيا الوسطى مثل كازاخستان وتركمانستان، إضافة إلى إفريقيا عبر أنجولا وأمريكا اللاتينية عبر فنزويلا، بهدف تقليل الاعتماد على الخليج ومضيق هرمز.

وتشير إلى أن الصين تعتمد بشكل متزايد على استراتيجية "الطاقة عبر البر"، من خلال مشاريع مثل خط "قوة سيبيريا" مع روسيا وشبكات آسيا الوسطى، باعتبارها أقل عرضة للتهديدات البحرية، لافتة إلى امتلاك الصين احتياطيا استراتيجيا ضخما يغطي ما بين 30 إلى 120 يوما من الاستهلاك، ما يمنحها وسادة صدمة في أوقات الأزمات، إضافة إلى قدرتها على استغلال النفط الخاضع للعقوبات، خاصة من إيران وروسيا، بأسعار منخفضة.

صدام غير مباشر
 

وفي ما يتعلق بالتحول الطاقوي، تؤكد أن الصين تعد أكبر منتج عالمي للطاقة الشمسية والبطاريات، والأزمات النفطية تساهم بشكل غير مباشر في تعزيز الطلب العالمي على تقنياتها، ما يمنحها ميزة اقتصادية إضافية، كما أن بكين لا تعيش أزمة طاقة بالمعنى التقليدي، بل تختبر نموذجها في إدارة الأزمات، وهي ليست في حالة ذعر رغم أزمة هرمز، بل تدير إعادة تشكيل عميقة لمنظومة أمنها الطاقوي.

وفي ما يتعلق بإمكانية الصدام مع الولايات المتحدة، توضح أن المواجهة المباشرة تبقى ضعيفة الاحتمال نظرا لاعتماد الصين على التجارة العالمية، وأي حرب مباشرة ستؤدي إلى تدمير الاقتصاد العالمي، وهو ما لا يخدم أي طرف، محذرة من الصدام غير المباشر القائم بالفعل، سواء عبر العقوبات على الشركات الصينية، أو الضغط على تجارة النفط الإيراني، أو التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط، حيث إن ما يجري هو شكل من الحرب الباردة الاقتصادية الطاقوية، والصدام مع واشنطن لن يكون بالصواريخ، بل بخطوط الأنابيب، وأسعار النفط، وسلاسل الإمداد.


 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة