عاد نزاع إيسيكويبو بين فنزويلا وجيانا إلى واجهة الأحداث بقوة خلال الأسبوعين الماضيين، مع تزامن جلسات الاستماع النهائية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي مع وقوع اشتباكات مسلحة على الحدود أسفرت عن إصابات في صفوف القوات الجيانية.
تأتي هذه التطورات في وقت تشهد فيه المنطقة طفرة نفطية هائلة جعلت منها واحدة من أكثر البقاع الجيوسياسية حساسية في العالم.
جلسات حاسمة في لاهاي
شهد الفصل الأخير من المرافعات الشفوية أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي تطورات دراماتيكية خلال الأسبوع الأول من مايو 2026 :
وفد فنزويلي رفيع المستوى رغم العقوبات
وصلت إلى لاهاي الرئيسة الفنزويلية ديلسي رودريجيز، في أول زيارة لها إلى أوروبا منذ توليها السلطة عقب العملية العسكرية الأمريكية التي أطاحت بنيكولاس مادورو، و دخلت رودريجيز الأراضي الهولندية رغم العقوبات الأوروبية المفروضة عليها منذ عام 2018، في خطوة اعتُبرت رسالة دبلوماسية قوية .
موقف فنزويلا: سخافة قانونية
خلال مرافعاتها يومي 6 و11 مايو، وصفت رودريجيز قضية جيانا أمام المحكمة بأنها "سخافة قانونية"، مؤكدة أن الحكم القضائي لن يقدم "حلاً نهائيًا مقبولاً للطرفين"، بل سيعمل على "إدامة النزاع". وكررت موقف كاراكاس الثابت من عدم الاعتراف باختصاص المحكمة، معتبرة أن اتفاقية جنيف لعام 1966 هي الإطار القانوني الوحيد لحل النزاع عبر المفاوضات المباشرة .
وقدمت فنزويلا أكثر من 3000 صفحة من الوثائق والأدلة لإثبات أن حكم التحكيم الصادر عام 1899 كان "احتيالاً" و"غير قانوني"، متهمة المملكة المتحدة بإتلاف أدلة وإعاقة وصول فنزويلا إلى مصادر إثباتية حيوية أثناء فترة الاستعمار .
موقف جيانا : "خرق متعمد للأوامر القضائية"
في المقابل، طالب محامو جيانا خلال مرافعاتهم التي استمرت ست ساعات في 4 مايو، المحكمة باتخاذ "إجراءات تصحيحية مناسبة" ضد فنزويلا، متهمين إياها بانتهاك متعمد ومتكرر للأوامر القضائية المؤقتة .
وكشف إدوارد كرافن، المحامي الدولي الذي قدم المرافعة الختامية لجيانا، عن نمط منظم من التصعيد من جانب فنزويلا: بعد صدور الأمر القضائي المؤقت في 1 ديسمبر 2023، أجرت فنزويلا استفتاءها بعد يومين فقط، ثم أعلنت إنشاء "ولاية غيانا إيسيكيبا"، وأجرت انتخابات لاختيار حاكم وهيئة تشريعية للمنطقة المتنازع عليها في مايو 2025، متحدية بذلك قرارًا قضائيًا آخر صدر في 1 مايو 2025 .
وطلب كرافن من المحكمة إصدار أمر بسيط لا يمكن تفسيره بشكل خاطئ: إلغاء الخرائط التي تظهر إيسيكويبو كأرض فنزويلية، وإلغاء القانون العضوي الذي أقر ضم المنطقة، وإبطال الانتخابات التي أجريت هناك. من المتوقع أن تصدر المحكمة حكمها النهائي والملزم خلال الأشهر المقبلة.
اشتباكات مسلحة على الحدود
في تطور خطير ومتزامن مع جلسات لاهاي، أعلنت جيانا تعرض قواتها لهجومين مسلحين على الحدود مع فنزويلا مطلع مايو، مما أسفر عن إصابة جندي جياني برصاصتين في ساقه.
وقالت وزارة الخارجية الجيانية إن الهجومين وقعا أثناء قيام جنود بدوريات على نهر كويوني، مؤكدة أن القوات الغيانية ردت على إطلاق النار في جميع الحالات. وقد رفعت جيانا مذكرة احتجاج رسمية إلى فنزويلا، مطالبتها بالتحقيق في الحوادث ومنع تكرارها مستقبلاً.
يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تشهد المنطقة حوادث مماثلة، حيث أبلغت جيانا عن حوادث إطلاق نار متعددة على مدى العامين الماضيين، أحدها أسفر عن إصابة ثمانية جنود.
تحذيرات جيانية ودعم أمريكي
في خطاب قوي بمناسبة الذكرى الستين لاستقلال جيانا (الذي يصادف 26 مايو)، وجه الرئيس إيرفان علي رسالة حادة إلى فنزويلا قائلاً: "لا تخطئوا في قراءة سلامنا على أنه ضعف؛ خلف دبلوماسيتنا تقف قوة منضبطة". وأضاف: "سيادة جيانا ليست للبيع، وخريطتنا غير قابلة للتفاوض. الجنود الذين يقومون بدوريات في أنهارنا وخفر السواحل الذين يراقبون الأفق هم السبب في أن خريطتنا ليست للبيع". على الصعيد الدولي، طالب النائب الأمريكي البارز جريجوري ميكس، وهو كبير الديمقراطيين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، إدارة ترامب باتخاذ موقف حازم لدعم جيانا.
الأبعاد الاقتصادية : النفط قلب الصراع
لا يمكن فهم تصاعد التوتر دون النظر إلى الثروات الهائلة التي تزخر بها المنطقة، إقليم إيسيكويبو (160 ألف كيلومتر مربع، أي ما يعادل ثلثي أراضي غيانا الحالية) يمتلك:
- احتياطيات نفطية هائلة: حقل "ستابروك" البحري وحده يقدر بأكثر من 11 مليار برميل من النفط .
- إنتاج جيانا الحالي يتجاوز 900 ألف برميل يوميًا، مما جعلها واحدة من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم .
- ثروات معدنية: الذهب والماس والبوكسيت والأخشاب النادرة .
السيناريوهات المستقبلية
مع اقتراب موعد صدور الحكم، تظل السيناريوهات مفتوحة على مصراعيها:
السيناريو الأول: حكم قضائي لصالح جيانا مع التزام فنزويلا
هذا هو السيناريو الأقل ترجيحًا حاليًا، نظرًا لتصريحات رودريغيز الواضحة بعدم قبول أي حكم قضائي. لكن الضغط الدولي قد يدفع كاراكاس إلى التراجع النسبي.
السيناريو الثاني: حكم قضائي لصالح جيانا ورفض فنزويلي
هذا هو الأكثر ترجيحًا وفق التصريحات الحالية، فنزويلا ستعتبر الحكم "باطلاً"، وستواصل تعزيز وجودها على الأرض، مما سيدخل المنطقة في حالة احتقان سياسي وأمني طويل الأمد.
السيناريو الثالث: العودة إلى المفاوضات المباشرة
على الرغم من فشل الجهود السابقة، قد تتدخل جهات دولية (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، أو مجموعة دول الجوار) للوساطة وإقناع الطرفين بالعودة إلى طاولة المفاوضات، ربما بتطبيق نموذج "تجميد النزاع" مع تقاسم عوائد النفط..
السيناريو الرابع: التصعيد العسكري
وهو السيناريو الأخطر، خاصة في حال وقوع حوادث إضافية على الحدود أو محاولة فنزويلا بسط سيطرتها الفعلية على مناطق جديدة. في هذه الحالة، قد تتدخل قوات إقليمية أو أمريكية لدعم غيانا، مما يحول النزاع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
تظل أزمة إيسيكويبو القنبلة الموقوتة في أمريكا اللاتينية. فمع اقتراب موعد صدور الحكم المرتقب، تترقب المنطقة والعالم ما إذا كانت القضية ستتجه نحو هدوء دبلوماسي أم تصعيد قد يعيد رسم حدود المنطقة بأكملها. في كل الأحوال، يبقى الشعبان الفنزويلي والغياني هما الضحية الأكبر لهذا الصراع المستمر منذ أكثر من قرن.
نزاع عمره أكثر من قرن..أزمة إيسيكويبو بين فنزويلا وجيانا تعود للواجهة.. ثروات معدنية و نفطية هائلة يشعل التوتر مجددًا .. تدخل دولي وتحركات أمام محكمة العدل الدولية وسيناريوهات مفتوحة بين التسوية أو التصعيد
فاطمة شوقى
تُعد أزمة إقليم إيسيكويبو بين فنزويلا وجيانا واحدة من أقدم النزاعات الحدودية في أمريكا اللاتينية، لكنها عادت بقوة إلى الواجهة خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة باكتشافات نفطية ضخمة جعلت المنطقة واحدة من أكثر النقاط الجيوسياسية حساسية في العالم اليوم.
أزمة تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر
تعود جذور الأزمة إلى أواخر القرن التاسع عشر، عندما كانت المنطقة محل تنافس استعماري بين بريطانيا – التي كانت تسيطر على جيانا آنذاك – وفنزويلا ، وفي عام 1899، صدر قرار تحكيم دولي رسم الحدود لصالح جيانا، مانحًا إياها السيطرة على منطقة إيسيكويبو الشاسعة. غير أن فنزويلا رفضت هذا القرار لاحقًا، معتبرة أنه غير عادل وتم فرضه في سياق استعماري غير متوازن.
اتفاقية جينيف
في عام 1966، وقعت الدولتان اتفاقية جنيف التي فتحت الباب أمام حل تفاوضي للنزاع، وهو ما تعتبره فنزويلا الأساس القانوني الوحيد لإعادة بحث مسألة الحدود. في المقابل، تتمسك جيانا بقرار التحكيم الصادر عام 1899 وتعتبره نهائيًا وملزمًا.
لكن الأزمة ظلت لسنوات طويلة في حالة جمود دبلوماسي، دون تصعيد كبير، حتى جاء التحول الأهم في عام 2015، عندما أعلنت شركة إكسون موبيل اكتشاف احتياطيات نفطية ضخمة قبالة سواحل إيسيكويبو، هذا الاكتشاف غير قواعد اللعبة تمامًا، إذ حوّل المنطقة من نزاع تاريخي إلى صراع اقتصادي واستراتيجي على واحدة من أكبر الثروات النفطية غير المستغلة في العالم.
منذ ذلك الوقت، بدأت التوترات تتصاعد تدريجيًا بين كاراكاس وجورج تاون، خاصة مع تسارع وتيرة الإنتاج النفطي في جيانا، التي أصبحت من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم بفضل النفط، حيث تجاوز إنتاجها مئات الآلاف من البراميل يوميًا، مع توقعات بزيادات أكبر خلال السنوات المقبلة.
تحديات اقتصادية خانقة
في المقابل، تواجه فنزويلا تحديات اقتصادية خانقة، ما جعل الملف أكثر حساسية سياسيًا داخل البلاد، حيث تعتبر كاراكاس أن فقدان إيسيكويبو يعني خسارة جزء كبير من مواردها التاريخية والمستقبلية.
ودخل الملف مرحلة جديدة عندما لجأت جيانا في عام 2018 إلى محكمة العدل الدولية، مطالبة بتثبيت حكم 1899، وهو ما رفضته فنزويلا معتبرة أن المحكمة لا تملك اختصاصًا كاملًا في القضية، وأن الحل يجب أن يتم عبر اتفاق سياسي مباشر وفق اتفاقية جنيف.
استفتاء حول ضم إيسيكويبو
وخلال السنوات الأخيرة، زاد التوتر بشكل ملحوظ، خاصة مع تنظيم فنزويلا لاستفتاء داخلي حول ضم إيسيكويبو، وردود الفعل الدولية الرافضة لأي خطوات أحادية، إلى جانب تصاعد الخطاب السياسي بين البلدين.
وأعادت التطورات الأخيرة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي الملف إلى دائرة الضوء مجددًا، مع تبادل الاتهامات بين الطرفين حول شرعية المواقف القانونية، في وقت تتزايد فيه أهمية المنطقة بسبب مواردها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.
أما السيناريوهات المستقبلية للأزمة، فتبدو مفتوحة على عدة احتمالات:
أولًا: سيناريو التسوية التفاوضية، وهو الخيار المفضل دوليًا، ويقوم على العودة إلى طاولة المفاوضات المباشرة بين البلدين، ربما برعاية دولية أو إقليمية.
ثانيًا: سيناريو حكم قضائي دولي ملزم، في حال أصدرت محكمة العدل الدولية قرارًا نهائيًا، وهو ما قد يقبله طرف ويرفضه آخر، ما قد يبقي التوتر قائمًا.
ثالثًا: سيناريو التصعيد السياسي، وهو الأخطر، خاصة إذا تصاعد الخطاب القومي داخل فنزويلا أو حدثت تحركات أحادية على الأرض.
رابعًا: سيناريو التجميد الطويل، وهو استمرار الوضع الحالي دون حل نهائي، مع بقاء التوتر منخفضًا لكنه دائم الحضور.