مصطفى عبيد يفتح أبواب التاريخ الأمني المصري في مخبرون ومخبرون

الثلاثاء، 19 مايو 2026 10:38 م
مصطفى عبيد يفتح أبواب التاريخ الأمني المصري في مخبرون ومخبرون الكاتب والباحث مصطفى عبيد

كتب محمد فؤاد

قال الكاتب والباحث مصطفى عبيد، إن حديثه في روايته عن البوليس السرين جاء انطلاقًا من كون هذا الموضوع لم يُتناول من قبل بالشكل الكافي، موضحًا أن المناطق المعتمة والمهمشة في التاريخ غالبًا ما تثير شغف أي باحث يسعى إلى المعرفة، لا سيما في المجال التاريخي.


 

مخبرون ومخبرون يفتح ملفات التاريخ الأمني المصري المنسية

وأضاف مصطفى عبيد، خلال حفل توقيع ومناقشة كتاب «مخبرون ومخبرون» الذي نظمته الدار المصرية اللبنانية بمبنى القنصلية في وسط البلد، أنه يرى أن تاريخ البوليس السري في مصر يُعد من المناطق المسكوت عنها، ليس عن قصد، وإنما بسبب قلة المصادر المتاحة حوله، مشيرًا إلى أن معظم المصادر المتوفرة أجنبية، بينما تعاني المصادر المصرية والمحلية من ضعف التوثيق وغياب الاهتمام بالمصادر الرسمية.


وأوضح أن هذه المنطقة التاريخية شديدة الأهمية، لأنها ترتبط ببدايات تأسيس المؤسسات المدنية الحديثة، التي لعب الأجانب دورًا رئيسيًا في إنشائها داخل البلاد، مؤكدًا أن قلة الدراسات والبحوث التي تناولت هذا الملف كانت دافعًا رئيسيًا لشغفه بالكتابة فيه والتفكير في أبعاده المختلفة.

جمال أبو الحسن: مصطفى عبيد يقدم كتابة تاريخية صحفية درامية للقارئ العام
 


ومن جانبه قال السفير والكاتب جمال أبو الحسن، إنه يرى أن مصطفى عبيد يعمل منذ سنوات على مشروع يجمع بين الكتابة التاريخية الأكاديمية والكتابة الصحفية، موضحًا أن هذا النوع من الكتابة يمكن وصفه بأنه «كتابة تاريخية صحفية درامية» موجهة إلى القارئ العام.


وأضاف أن هذا اللون من الكتابة كان شائعًا في السوق الثقافي المصري خلال فترات سابقة، وحقق جماهيرية واسعة، مستشهدًا بكتاب «فجر الإسلام» للكاتب أحمد أمين، موضحًا أنه رغم أن الكتاب لا يُعد دراسة أكاديمية متخصصة، فإنه أثّر في أجيال كاملة، وألهم عددًا كبيرًا من الكتّاب الذين حاولوا تقديم التاريخ بصورة درامية وقريبة من القارئ.


وأشار أبو الحسن إلى أن هذا الأسلوب يعتمد على منح التاريخ قدرًا من الحيوية والنبض الإنساني، بحيث لا يقتصر الأمر على مجرد سرد للوقائع أو الشخصيات، بل يمتد إلى رسم ملامح الشخصيات وصياغتها دراميًا، وهو ما يجعل القارئ أكثر تفاعلًا مع المادة التاريخية.


وأوضح أن الكتاب يتناول شخصيات تولّت إدارة البوليس السياسي أو المكتب المخصوص في مصر، سواء من الأجانب أو المصريين، مضيفًا أن الجانب الأهم في هذا النوع من التحقيقات التاريخية هو اكتشاف التكوين الإنساني لتلك الشخصيات، مثل شخصية «ماكفرسون»، الذي عمل في البوليس السياسي خلال عشرينيات القرن الماضي، وكان في الوقت نفسه محبًا للحرية والمسرح الخيالي، قبل أن ينتهي به الأمر إلى تأليف كتاب عن الموالد الشعبية، معتبرًا أن هذه التفاصيل تضيف بعدًا دراميًا وإنسانيًا للعمل التاريخي.

 

رسم الشخصيات إنسانيًا يمنح التاريخ روحًا مختلفة


وعن الشخصية التي شكّلت نقطة البداية بالنسبة له، قال مصطفى عبيد إن الشخصية المفتاحية في مشروعه عن التاريخ الأمني الحديث كانت شخصية «توماس راسل»، وهو ضابط شرطة إنجليزي جاء إلى مصر عام 1902، وظل فيها حتى عام 1946.

 


وأوضح أن توماس راسل تولّى، منذ عام 1918 وحتى 1946، منصب «حكمدار القاهرة»، الذي كان يُعد أهم منصب أمني في مصر آنذاك، وظل يشغله لمدة 28 عامًا، وهي مدة غير مسبوقة لمن تولّى هذا المنصب.


وأضاف أن مذكرات راسل، التي قام بترجمتها، مثّلت بالنسبة له مفتاحًا مهمًا لفهم العديد من الشخصيات والجوانب المتعلقة بالتاريخ الاجتماعي والأمني في مصر، إذ تناولت بدايات قضايا متعددة، من بينها انتشار المخدرات، وعمليات التهريب والسطو، وطبيعة المجتمع، والبغاء، وأساليب العمل الأمني، فضلًا عن الجريمة السياسية التي خصص لها فصلًا كاملًا.


وأكد عبيد أن هذه المذكرات كانت بمثابة أبواب تُفتح على عوالم أوسع من الحكايات غير المروية، وهو ما دفعه إلى مواصلة البحث والاستقصاء في التاريخ الأمني المصري بصورة أكثر عمقًا وتفصيلًا.

جمال أبو الحسن: نجيب الهلباوي كسر نسق شخصيات البوليس السياسي داخل الكتاب
 


كما أشار السفير والكاتب جمال أبو الحسن إلى أن الكتاب يتناول في معظمه شخصيات تولّت إدارة البوليس السياسي من البريطانيين، باستثناء شخصية أمنية مصرية واحدة هي اللواء سليم زكي، الذي عمل مساعدًا للحكمدار أو مساعدًا للبوليس السياسي، لافتًا إلى أن شخصية «نجيب الهلباوي» بدت لافتة داخل العمل، رغم أنها لا تنتمي إلى جهاز الشرطة، إذ لعبت دورًا محوريًا في الكشف عن قتلة السير لي ستاك.


وأضاف أبو الحسن أنه لاحظ أن مصطفى عبيد حافظ طوال الكتاب على نسق ثابت في الحديث عن شخصيات البوليس السياسي، قبل أن يخصص فصلًا كاملًا لشخصية نجيب الهلباوي، واصفًا الفصل بأنه كُتب بصورة درامية ممتعة، إذ رسم الكاتب ملامح هذه الشخصية وما وصفه بخيانتها، إلى جانب الدوافع النفسية التي دفعته إلى الإبلاغ عن رفاقه في الحركة الوطنية، معتبرًا أن الهلباوي كان السبب الرئيسي في كشف تنظيمات العمل السري المرتبطة بقضية اغتيال السير لي ستاك، وهي من أبرز القضايا في التاريخ السياسي المصري.

من فدائي وطني إلى مخبر.. التحول المثير في شخصية نجيب الهلباوي
 


ومن جانبه، أوضح مصطفى عبيد أن الكتاب يضم عددًا من الشخصيات الإنجليزية، مثل ماكفرسون ودويد، إضافة إلى شخصية جورج فيليبيدس، الذي أسس الجهاز الأمني، رغم أنه لم يكن إنجليزيًا بل شاميًا استقر في مصر.


وأكد عبيد أن إدراج شخصية نجيب الهلباوي كان مقصودًا، رغم كونه المصري الوحيد في الكتاب الذي لا ينتمي إلى جهاز الشرطة، موضحًا أن ما فعله الهلباوي في قضية اغتيال السير لي ستاك عام 1924 أدى إلى كشف تنظيمات العمل السري والعمل المسلح المرتبطة بثورة 1919، والتي ظلت لفترة طويلة مجهولة التفاصيل، حتى سقطت تلك التنظيمات مع سقوط خلية اغتيال السير لي ستاك واعتراف شفيق منصور لاحقًا.


كما أكد مصطفى عبيد أن الوثائق تختلف من حيث درجة الحجية والثقة، موضحًا أن التقرير الرسمي الموجّه إلى رئيس الوزراء أو أحد الوزراء يختلف في قيمته عن مقال صحفي منشور في جريدة، لذلك يضع الباحثون درجات متفاوتة للوثائق بحسب طبيعتها.


وأضاف أن الباحث لا يعتمد على الوثيقة وحدها، بل يلجأ إلى ما وصفه بـ«التحكيم المنطقي»، من خلال مقارنة مضمون الوثائق بالشهادات المعاصرة الأخرى، للوصول إلى نتائج تبقى في النهاية ترجيحية وليست يقينية بشكل كامل.

جمال أبو الحسن: زاوية الأمن والجريمة تكشف المجتمع بصورة مختلفة
 


وفي سياق متصل، قال جمال أبو الحسن إن كتاب مخبرون ومخبرون هو الكتاب الثالث في مشروع مصطفى عبيد، فقد تحدث من قبل عن «توماس راسل» والذي أشاد به وبترجمته الكاتب الكبير إبراهيم عبد المجيد، ثم كتاب «سيدني سميث» عن الطب الشرعي وأحد خبراء ذلك المجال، ثم هذا الكتاب، فأولا الأمن والجريمة تعد زاوية مهمة جدًا للنظر في المجتمعات خاصة أن هذه الزاوية تُعد من أهم المداخل لفهم التطور الاجتماعي والسياسي والاقتصادي للمجتمعات.

 

كتاب مخبرون ومخبرون يقدم رؤية عقلانية لكفاءة الإدارة البريطانية
 


وأشار أبو الحسن إلى أن الكتاب يقدّم رؤية عقلانية لفهم الإدارة البريطانية خلال فترة الاحتلال، موضحًا أن رفض الاحتلال لا يمنع من الإقرار بكفاءة بعض الشخصيات البريطانية في الإدارة والتنظيم، معتبرًا أن نجاح البريطانيين في بسط نفوذهم لم يكن قائمًا على القوة العسكرية وحدها، بل أيضًا على كفاءة الإدارة.
 

أهمية الترجمة في مشروع مصطفى عبيد الفكري
 


وفي ختام الندوة، تحدث مصطفى عبيد عن أهمية الترجمة في مشروعه الفكري، موضحًا أن الثقافة المصرية عانت طويلًا من تجاهل شهادات الإنجليز عن مصر خلال فترة الاحتلال، نتيجة النظرة المرتابة تجاه أي شهادة صادرة عن البريطانيين بعد عام 1954.


وأضاف أن هذا الرفض لم يقتصر على الجوانب السياسية فقط، بل امتد إلى شهادات تناولت المجتمع والفن والاقتصاد والأدب المصري، معتبرًا أن تجاهل هذه المصادر حرم الباحثين من الاستفادة من شهادات مهمة كان يمكن توظيفها في فهم تلك المرحلة التاريخية.


وأشار عبيد إلى دهشته من عدم ترجمة مذكرات شخصيات مثل سيدني سميث وتوماس راسل إلى العربية طوال عقود، مؤكدًا أن الاستفادة من أي شهادة تاريخية تظل ممكنة ما دام الباحث يمتلك أدوات النقد والتحليل والتمحيص.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة