في الوقت الذي انشغل فيه كثيرون بالوجوه الإخوانية المستهلكة التي تتكرر على الشاشات وتتصدر المنصات الإعلامية لجماعة الإرهابية، كان هناك رجل آخر يتحرك بهدوء داخل الظل، لا يبحث عن الكاميرات، ولا يفضّل الظهور العلني، لكنه في الحقيقة كان واحدًا من أخطر العقول التي أدارت التنظيم الدولي للإخوان خلال السنوات الأخيرة، وهو محمود الإبياري، الرجل الذي تحول داخل الجماعة إلى غرفة عمليات كاملة تتحكم في الإعلام والتمويل والتوجيه السياسي والتحريض ضد الدولة المصرية.
الإبياري ليس مجرد قيادي تنظيمي عابر أو إداري تقليدي داخل الجماعة، بل أحد أخطر الأسماء التي لعبت دورًا مباشرًا في إعادة تشكيل أدوات الإخوان بعد سقوط حكم الجماعة في مصر، وتحويل التنظيم من حالة الارتباك والانهيار إلى ماكينة إعلامية عابرة للحدود هدفها الرئيسي بث الفوضى وصناعة الأكاذيب وضرب الثقة بين الدولة والمواطن.
الرجل المولود عام 1955، والذي يحمل الجنسية النمساوية ويقيم في بريطانيا ولكنه من أصل مصري، ظل لسنوات بعيدا عن الأضواء بشكل متعمد، لكن كل الخيوط داخل التنظيم كانت تقود إليه، من البيانات التي تُكتب، إلى الحملات الإعلامية التي تُطلق، إلى التمويلات التي تتحرك، وحتى الخلافات الداخلية التي يتم حسمها خلف الأبواب المغلقة.
داخل التنظيم الدولي يُعرف محمود الإبياري بأنه "الرجل الغامض"، لكن هذا الغموض لم يكن سوى ستار يخفي وراءه واحدًا من أكثر الشخصيات نفوذًا وخطورة داخل الجماعة الإرهابية، حتى بات يُنظر إليه باعتباره الرجل رقم 3 في الهيكل الدولي للإخوان، والأمين العام للتنظيم الدولي، والمشرف الفعلي على إعلام التنظيم العالمي.
مهندس ماكينة التحريض الإخوانية
أخطر ما يميز محمود الإبياري أنه لا يتعامل مع الإعلام باعتباره وسيلة لنقل الأخبار أو عرض المواقف، بل كسلاح كامل لإدارة الحرب النفسية ضد الدولة المصرية، لم يكن مجرد محرر أو كاتب بيانات، بل العقل الذي صاغ خطاب الجماعة الإرهابية خلال السنوات الماضية، وراجع بياناتها، وحدد نبرتها، واختار توقيتات التصعيد والتشويه ونشر الشائعات.
القيادي الإرهابي محمود عزت نفسه، الذي كان يُنظر إليه باعتباره الرجل الحديدي داخل الجماعة، لم تكن بياناته تخرج للرأي العام إلا بعد المرور عبر محمود الإبياري كتابةً أو مراجعةً أو اعتمادًا، بما يكشف حجم النفوذ الحقيقي الذي امتلكه الرجل داخل دوائر القرار الإخواني.
الباحث والقيادي الإخواني المنشق، ثروت الخرباوي كشف جانبًا خطيرًا من هذا الدور عندما أكد أن الإبياري هو المسؤول عن إدارة مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإعلامية والقنوات التابعة للإخوان، أي أنه عمليًا الرجل الذي يدير ماكينة التحريض الإلكتروني بالكامل، ويوجه الرسائل الإعلامية الموحدة التي تُبث يوميًا ضد مصر، ولذلك لم يكن غريبًا أن تتشابه الرسائل الإعلامية الصادرة عن المنصات الإخوانية المختلفة بشكل يكاد يكون حرفيًا، لأن هناك عقلًا واحدًا يقف خلفها، يضع العناوين، ويرسم خطوط الهجوم، ويحدد الشخصيات المستهدفة، ويقود حملات التشويه المنظمة ضد مؤسسات الدولة.
"حاربوا مصر بالمصريين".. العقيدة الأخطر
واحدة من أخطر الجمل التي ارتبطت باسم محمود الإبياري كانت توصيته الشهيرة للأذرع الإعلامية التابعة للجماعة الإرهابية هي "حاربوا مصر بالمصريين"، وهي العبارة التي تكشف بوضوح طبيعة العقيدة التي حكمت أداء التنظيم بعد سقوطه، فالجماعة لم تعد تعتمد فقط على التحريض المباشر أو الخطاب الديني التقليدي، بل انتقلت إلى مرحلة أخطر تقوم على تفكيك المجتمع من الداخل، وصناعة حالة مستمرة من الإحباط والشك والكراهية، عبر استخدام أصوات مصرية ومنصات تتحدث بلسان مصري من أجل ضرب الثقة في الدولة ومؤسساتها، والمثير أن الكاتب الإسرائيلي زومير كوهين استخدم التعبير نفسه في أحد مقالاته، وهو ما يؤكد مدى ارتباط التنظيم الدولي للجماعة الإرهابية بالأجهزة المعادية للدولة المصرية.
رجل المصالحات المشبوهة داخل الجماعة
وعندما انفجرت الحرب الداخلية بين جبهة إبراهيم منير في لندن وجبهة محمود حسين، لم يكن محمود الإبياري بعيدًا عن المشهد، بل كان أحد أبرز اللاعبين في إدارة الصراع وتوجيهه، فقد انحاز الإبياري في البداية إلى جبهة إبراهيم منير، وتولى منصب نائب الأمين العام للتنظيم الدولي، لكنه عاد لاحقًا ليلعب دور "مهندس المصالحة" بين الجبهتين بعد أحداث 7 أكتوبر 2023، في خطوة لم تكن بهدف إنقاذ الجماعة من الانقسام، وإنما بهدف إعادة توحيد ماكينة التحريض ضد مصر تحت قيادة وخطاب واحد، وهذه التحركات جاءت بضغوط وتوجيهات من جهات خارجية معادية للدولة المصرية، خاصة مع الاتهامات المتكررة للإبياري بعقد لقاءات واتصالات مع أجهزة ودوائر تعمل على استهداف مصر سياسيًا وإعلاميًا.
إمبراطورية أموال وشركات وعقارات
بعيدًا عن الشعارات الدينية التي رفعتها الجماعة لعقود، تكشف سيرة محمود الإبياري كيف تحول التنظيم إلى شبكة مالية ضخمة تديرها مجموعة صغيرة من القيادات التي جمعت النفوذ والثروة باسم الدعوة، فقد اتهمه شباب داخل الجماعة وقيادات إخوانية بالحصول على مبانٍ وسيارات وأصول مالية عبر أموال التنظيم، إضافة إلى اتهامات تتعلق بالاستيلاء على تبرعات مخصصة لأنشطة الجماعة واستخدامها في شراء عقارات باسمه، وهذه الوقائع فجرت حالة غضب داخل صفوف شباب جماعة الإخوان الإرهابية، الذين اكتشفوا أن القيادات التي كانت تتحدث لسنوات عن التضحية والجهاد ونصرة المشروع الإسلامي، كانت في الوقت نفسه تبني إمبراطوريات مالية خاصة بها وتعيش في أوروبا داخل دوائر الرفاهية والحماية.
أخطر من الوجوه التي تظهر على الشاشات
خطورة محمود الإبياري لا تكمن فقط في المناصب التي شغلها، بل في طبيعة الدور الذي لعبه داخل التنظيم، فهو ليس مجرد متحدث أو إداري أو ممول، بل العقل الذي أعاد هندسة الإخوان بعد سقوطهم، وحول الجماعة من تنظيم سياسي مأزوم إلى شبكة إعلامية عابرة للحدود تعتمد على الشائعات والحرب النفسية والتحريض المستمر، فهو الرجل الذي فضل دائمًا البقاء بعيدًا عن الأضواء، لأن دوره الحقيقي كان أخطر بكثير من مجرد الظهور الإعلامي، ويتمثل في إدارة العقول، توجيه الرسائل، إعادة ترتيب التحالفات، وتحويل المنصات الإلكترونية إلى ساحات مفتوحة لاستهداف الدولة المصرية ونشر الفوضى والتشكيك والكراهية، ولهذا، لا ينظر إلى محمود الإبياري داخل دوائر المتابعة باعتباره مجرد قيادي إخواني هارب، بل باعتباره أحد أخطر العقول التي أدارت مشروع الفوضى الإخواني من الخارج، والرجل الذي لعب دورًا محوريًا في استمرار ماكينة التحريض ضد مصر رغم سقوط الجماعة سياسيًا وشعبيًا.