لم تكن "يسرا" و"يمنى" تتخيلان أن رحلة المطالبة بزيادة نفقة الدراسة والمعيشة ستقودهما في النهاية إلى قفص الاتهام داخل محكمة الجنايات، بعد سنوات من النزاع الأسري الذي بدأ عقب انفصال والديهما، وتحول تدريجيًا من خلافات نفقة ورؤية إلى اتهامات بالتزوير وأحكام بالسجن.
القصة التي شغلت الرأي العام في أسيوط خلال الأيام الماضية، لم تبدأ داخل أروقة الجنايات، بل داخل محكمة الأسرة، حين تقدمت الشقيقتان بدعوى لزيادة النفقة المقضي بها لهما، مؤكدتين أن المبلغ السابق لم يعد كافيًا لتغطية احتياجاتهما الأساسية في ظل موجات الغلاء وارتفاع تكاليف الدراسة والمعيشة.
في ذلك الوقت، كانت القضية تبدو كأي نزاع أسري معتاد بين أب وطليقته وابنتيه، خاصة أن ملف الخلافات بين الطرفين – وفق رواية الأب – يمتد لأكثر من عشر سنوات، وشهد عددًا كبيرًا من الدعاوى القضائية المتبادلة، وأحكامًا بالنفقة، ومطالبات بالمصاريف الدراسية، إلى جانب خلافات مرتبطة بتنفيذ أحكام الرؤية.
لكن الهدوء النسبي داخل قاعة الأسرة لم يستمر طويلًا.
خلال نظر دعوى زيادة النفقة، قدمت الأسرة مستندًا منسوبًا إلى جهة عمل الأب يفيد بأن راتبه الشهري يتجاوز 45 ألف جنيه، وهو ما اعتبره الأب صادمًا بالنسبة له، مؤكدًا أن دخله الحقيقي أقل كثيرًا من الرقم المتداول داخل أوراق الدعوى.
ومع تصاعد الخلاف، تحولت القضية من نزاع مالي إلى اتهام جنائي مباشر.
الأب حرر محضرًا رسميًا اتهم فيه طليقته وابنتيه باصطناع مفردات مرتب مزورة واستخدامها أمام محكمة الأسرة للحصول على أحكام أكبر بالنفقة والحبس والمصاريف الدراسية، مؤكدًا – بحسب أقواله – أن جهة عمله نفت صدور المستند أو اعتماده رسميًا.
داخل التحقيقات، اتسعت دائرة الاتهامات بشكل أكبر، بعدما أشار الأب إلى أن طليقته تعمل ضمن قطاع الكهرباء، ما مكنها – بحسب روايته – من إعداد المستند محل الأزمة وتقديمه للمحكمة.
في المقابل، استمرت معركة الأسرة داخل محكمة الأحوال الشخصية بالتوازي مع التحقيقات الجنائية.
الدائرة الثامنة أسرة بندر ثان أسيوط، أثناء نظر دعوى زيادة النفقة، طلبت مخاطبة جهة العمل رسميًا للوقوف على حقيقة دخل الأب، وبالفعل ورد خطاب رسمي بمفردات راتب معتمدة، أوضح أن صافي دخله الشهري يقل كثيرًا عن الرقم الوارد بالمستند محل الجدل.
ورغم ذلك، انتهت المحكمة إلى زيادة النفقة المقضي بها إلى 7 آلاف جنيه شهريًا للابنتين، مؤكدة في أسباب حكمها أن ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف المعيشة يبرران تعديل النفقة، وأن أحكام النفقة بطبيعتها قابلة للزيادة أو النقصان بحسب تغير الظروف الاقتصادية.
أما الطعن بالتزوير، فرأت المحكمة أنه "غير منتج" في النزاع الأسري بعد ورود مفردات راتب رسمية واعتمادها في تقدير النفقة، وهو ما يعني أن المحكمة لم تبنِ حكمها على المستند المطعون عليه.
لكن الملف الجنائي لم يتوقف عند هذا الحد.
تحقيقات النيابة العامة استمرت بصورة منفصلة، وانتهت بإحالة القضية إلى محكمة الجنايات، التي نظرت إلى الواقعة باعتبارها جريمة تزوير محررات رسمية واستخدامها أمام جهة قضائية.
ومع صدور الحكم بالسجن 3 سنوات مع الشغل والنفاذ ضد الشقيقتين، تحولت القضية من نزاع نفقة عائلي إلى واحدة من أكثر القضايا الأسرية إثارة للجدل داخل محافظة أسيوط.
الأب خرج بعدها ليتحدث علنًا عن تفاصيل الأزمة، مؤكدًا أنه لم يكن يرغب في حبس ابنتيه، وأن المحامي هو من دفعهما – بحسب روايته – إلى التورط في القضية، كما أشار إلى أنه يتحمل نفقات شهرية كبيرة بالفعل، وأنه بدأ إجراءات الاستئناف فور صدور الحكم.
لكن خلف كل تلك التصريحات، بقيت صورة الأسرة المنهارة هي الأكثر قسوة.
سنوات من الخلافات القضائية، ومحاضر متبادلة، وأحكام نفقة، وصراع طويل داخل المحاكم، انتهت جميعها إلى مشهد يبدو أقرب للمأساة الاجتماعية منه إلى مجرد قضية قانونية.
في أسيوط، لم تعد القضية بالنسبة للكثيرين مجرد نزاع حول قيمة نفقة أو صحة مستند رسمي، بل تحولت إلى نموذج صادم لما يمكن أن تصل إليه الخلافات الأسرية عندما تتحول ساحات المحاكم إلى البديل الوحيد للحوار داخل البيت الواحد.
وبين أوراق الأسرة ومحاضر الجنايات، ضاعت العلاقة الطبيعية بين أب وابنتيه، لتبقى النهاية مفتوحة على أسئلة أكبر من الحكم نفسه.. هل كان يمكن احتواء الأزمة قبل أن تصل إلى السجن؟ وهل تحولت بعض قضايا الأسرة من وسيلة لحفظ الحقوق إلى معارك تدمر ما تبقى من الروابط العائلية؟