فى تجربة عادل إمام، يظل الإفيه حاضرًا بقوة، لأنه جزء من الذاكرة الشعبية التى صنعها الزعيم على مدى أكثر من نصف قرن.
لكن اختزال تجربته فى الجملة الضاحكة يظلم جانبًا أعمق فى مسيرته، جانب الفنان الذى أدرك مبكرًا أن الضحك يمكن أن يكون أداة كشف، وأن الكوميديا حين تلامس السياسة والمجتمع والفكر تتحول من تسلية إلى موقف.
من هنا لا يمكن قراءة عادل إمام بوصفه صاحب إفيهات ناجحة فحسب، وإنما بوصفه فنانًا أقام علاقات ممتدة مع كتّاب ومفكرين وصحفيين كبار، وتحوّل فى لحظات حاسمة إلى جزء من معركة الوعى فى مصر.
لقد عرف الجمهور عادل إمام من خلال «مدرسة المشاغبين» و«شاهد ما شفش حاجة» و«الواد سيد الشغال»، ثم تابع انتقاله إلى منطقة أكثر اشتباكًا مع الواقع فى «اللعب مع الكبار» و«الإرهاب والكباب» و«طيور الظلام» و«الإرهابى» و«النوم فى العسل»، وبين هذين المسارين، ظل السؤال قائمًا هل كان عادل إمام مجرد ممثل كوميدى يطارد الضحك؟ أم أنه استخدم الضحك كى يفتح بابًا أوسع لمناقشة السلطة، والتطرف، والفساد، والخوف، وحرية الفن؟
والإجابة تكمن فى شبكة علاقاته مع أسماء مثل فرج فودة، ومحمد حسنين هيكل، ومحمود السعدني، ونجيب محفوظ، ووحيد حامد، ولينين الرملي، وشريف عرفة، وغيرهم من أصحاب الكلمة والفكرة.
الزعيم ومحمود السعدنى
من أقدم الشهادات المهمة فى مسيرة عادل إمام شهادة الكاتب الكبير محمود السعدني، الذى لم يتعامل معه بوصفه ممثلًا خفيف الظل وحسب، بل رآه «فلتة فنية» قابلة لأن تتجاوز الأدوار الصغيرة، وكما جاء فى كتاب «المضحكون» الصادر عام 1971، كتب السعدنى عن عادل إمام بعد ظهوره أمام فؤاد المهندس فى «أنا وهو وهى»، قائلًا إنه «استطاع فى دور صغير أمام فؤاد المهندس أن ينفجر كالقنبلة»، وأن دوره كان «كاتب محامى أونطجى» شديد الاحتجاج على بلد الشهادات، ومن هذا الدور بدأ الانطلاق إلى العلالى.
أهمية هذه الشهادة أنها جاءت فى وقت لم يكن فيه عادل إمام قد وصل بعد إلى قمة النجومية، كان السعدنى، بحسه النقدى الساخر، يلتقط ما وراء الإفيه، موهبة فى التوقيت، وقدرة على كسر المشهد، وحضور يفرض نفسه حتى فى مساحة محدودة، وفى النص نفسه، وصف السعدنى دخول عادل إمام إلى السينما المصرية بأنه أمر صعب فى سوق يفضل أحيانًا الشكل على الموهبة، ثم قدم له نصيحة مبكرة بألا يستسلم لدور «السنيد» أو الأدوار الخفيفة، وأن يهرب إلى بطولة أكثر تركيبًا، فيها النصاب الظريف، والشرير خفيف الدم، والعقل الشعبى القادر على مراوغة الحياة.
وهنا تظهر أول معركة لعادل إمام مع الإفيه، الإفيه منحه الشعبية، لكنه كان معرضًا لأن يحبسه فى ركن ضيق، السعدنى تنبه إلى ذلك مبكرًا؛ رأى الممثل القادر على الضحك، ورأى أيضًا الخطر الذى يمكن أن يلتهم هذه الموهبة إذا ظلت محصورة فى جملة عابرة أو دور ثانوي، لذلك تبدو شهادة السعدنى مفتاحًا مهمًا فى قراءة عادل إمام، لأنها شهادة كاتب ساخر يعرف معنى الضحك جيدًا، ويدرك الفرق بين نكتة عابرة وموهبة قادرة على بناء شخصية كاملة.
عادل إمام وفرج فودة
تظل علاقة عادل إمام بالمفكر الراحل فرج فودة من أهم مداخل هذا الموضوع، لأنها علاقة خرجت من الإعجاب المتبادل إلى الموقف العملي، فودة كان يواجه التطرف بقلمه، وعادل إمام كان يواجهه بفنه، وكما ذكر الصحفى محمود صلاح، فإن فودة وعادل إمام «توافقا واتفقا فكريًا على مواجهة العنف والإرهاب والتطرف»، وكان فودة داعمًا لإمام فى مواجهته للتطرف والإرهاب بالفن، ومساندًا له حين عرض مسرحيته «الواد سيد الشغال».
وتكشف حكاية أسيوط حجم هذه المواجهة، فقد أصر عادل إمام على تقديم مسرحية داخل محافظة أسيوط بعد تصاعد الحوادث المرتبطة بالجماعات المتشددة فى أواخر الثمانينيات، وبادر بطرح فكرة مواجهة نفوذ تلك الجماعات من خلال الفعل الثقافى والفنى، وأبدى استعداده للسفر إلى أسيوط وتقديم المسرحية دعمًا للفرقة الفنية المحلية، معتبرًا أن التصدى للمتطرفين ينبغى أن يتم من داخل مناطق نفوذهم، وبعد تقديم العرض، قال فرج فودة عبارته اللافتة عن عادل إمام: «القطار اللى حمل الفنانين المتحدين فى أسيوط قطار الرحمة».
هذه الحكاية تضع عادل إمام فى موقع مختلف عن الصورة السهلة للفنان الباحث عن التصفيق، الرجل ذهب إلى منطقة خطر، واصطحب معه فرقة فنية، وواجه خطابًا يجرّم الفن ذاته، هنا يتحول المسرح إلى فعل مقاومة، لم يكن مطلوبًا من عادل إمام أن يقدم خطبة سياسية، وقد أدرك ذلك جيدًا، يكفى أن يذهب الفن إلى المكان الذى يراد له أن يغيب عنه، حضور المسرحية فى أسيوط، فى ذلك السياق، كان إعلانًا أن الفن لا ينسحب من المجال العام، وأن الضحك يمكن أن يكون شجاعة.
لحظة اغتيال فودة
بلغت العلاقة بين عادل إمام وفرج فودة ذروتها المأساوية يوم اغتيال المفكر المصرى فى يونيو 1992، وكما روى الصحفى محمود صلاح، فإنه ذهب إلى المستشفى بعد سماع خبر إطلاق النار على فودة، فوجد عادل إمام والصحفى عادل حمودة بجوار غرفة العمليات، وكان فودة مصابًا بإصابات خطيرة فى الكبد والأمعاء، وطلب الأطباء كميات كبيرة من الدم، فأبدى عادل إمام وعادل حمودة ومحمود صلاح استعدادهم للتبرع، وبعد التحليل اتضح أن فصيلة دمهم توافق فصيلة فودة، فتبرعوا له، ثم جلسوا يترقبون أمل إنقاذه.
وتضيف الشهادة نفسها أن الطبيب خرج معلنًا وفاة فرج فودة، فانهار عادل إمام باكيًا وسقط على الأرض من شدة التأثر، كما أكد محمود صلاح أن عادل إمام كان من الأصدقاء المقربين لفودة، يزوره كثيرًا ويلتقيه فى مناسبات متعددة.
وقالت سمر فرج فودة، إذ قالت إنها رأت عادل إمام واقفًا مع الدكتور حمدى السيد يسأله عن حالة والدها، وحين تركه ومشى أدركت أن والدها مات، ويصف التقرير عادل إمام بأنه كان فى تلك اللحظة «ابن البلد» الذى نجده فى وقت الشدة، وفنانًا واعيًا يتابع المفكرين والكتاب ويتصل بهم إنسانيًا وفكريًا.
الزعيم والأستاذ هيكل
لم تكن علاقة عادل إمام بالمثقفين مقتصرة على فرج فودة أو كتاب السيناريو الذين تعاون معهم، فقد امتدت أيضًا إلى محمد حسنين هيكل، أحد أبرز الصحفيين والمفكرين السياسيين فى العالم العربى، وكما ورد فى مقال عادل السنهورى بـ«اليوم السابع» عن الوجه الآخر لهيكل وعلاقته بالفنانين والأدباء، كان هيكل من بين الذين أحبوا عادل إمام فى الوسط الفني، وارتبط به بعلاقة صداقة قوية، وبدأ التعارف، بحسب المقال، باتصال من هيكل قال فيه لعادل إمام: «إذا كانت لك قائمة معجبين فأنا على رأس القائمة»، لتبدأ بعدها صداقة ممتدة بين «الزعيم» و«الأستاذ».
ويشير المقال نفسه إلى أن الصداقة ربما بدأت بعد فيلم «اللعب مع الكبار» فى عام 1992 تقريبًا، وأن العلاقة امتدت حتى رحيل هيكل، مع لقاءات دورية عامة وخاصة، من أشهرها لقاءات إفطار رمضان التى كان يقيمها الكاتب والسياسى ميلاد حنا فى منزله، ويذكر أيضًا أن ظهور هيكل فى العرض الخاص لفيلم «الإرهاب والكباب» كان لافتًا، لأنه كان قليل الظهور فى المناسبات العامة، بما يدل على محبته لعادل إمام واهتمامه بما يقدمه.
هذه العلاقة مهمة لأنها تكشف أن عادل إمام كان حاضرًا فى دوائر الفكر والسياسة والصحافة، لا فى دوائر الفن وحدها، هيكل، الذى عاش قريبًا من صناعة القرار ومن التاريخ السياسى العربي، لم يتعامل مع عادل إمام ككوميديان ناجح فقط، بل كفنان له أثر فى المجال العام، ومن اللافت أن عادل إمام نفسه استدعى هيكل حين تحدث عن الفن المصرى ودوره العربى، ففى مقابلة نقلتها «البلاد» عن CNN بالعربية عام 2012، قال عادل إمام إنه لا يخشى على الفن، مشيرًا إلى ما قاله هيكل من أن الفن المصرى أحد أسباب الوحدة العربية.
عادل إمام وحرافيش نجيب محفوظ
فى قراءة علاقة عادل إمام بالمثقفين، لا يمكن تجاوز حكاية «الحرافيش وأوضح أيمن الحكيم أن نجيب محفوظ أطلق على شلته من المبدعين لقب «الحرافيش»، وأنه طلب من الفنان أحمد مظهر أن يضم عادل إمام إلى هذه الشلة، وبالفعل ذهب عادل إمام وجلس معهم عدة جلسات.
هذه الحكاية تمنح عادل إمام موضعًا رمزيًا داخل الثقافة المصرية. فالحرافيش لم تكن مجرد جلسة أصدقاء، بل كانت فضاء ثقافيًا جمع أدباء وفنانين ومثقفين. أن يرغب نجيب محفوظ فى حضور عادل إمام داخل هذا الفضاء يعنى أن الزعيم كان مقروءًا عنده بوصفه ابنًا لفكرة مصرية شعبية أصيلة، لا مجرد نجم شباك، وفى الحوار نفسه، ذكر أيمن الحكيم أنه سأل عادل إمام عن سبب عدم تقديمه أعمالًا من تأليف نجيب محفوظ، فأجابه بأنه كان يتمنى ذلك، وكلما أعجبته رواية وفكر فى شرائها اكتشف أن حقوقها بيعت، وتكرر الأمر فى نحو 30 رواية، حسب رواية الحكيم.
هنا تتضح نقطة مهمة فى علاقة عادل إمام بالأدب: لم يكن بعيدًا عن الرواية أو عن محفوظ، لكنه لم يجد اللحظة الإنتاجية المناسبة، وقد يكون هذا الغياب واحدًا من الأسئلة المفتوحة فى مسيرته: كيف كانت ستبدو شخصية محفوظية يؤديها عادل إمام فى ذروة نضجه الفنى؟ لا توجد إجابة موثقة يمكن الجزم بها، لكن المؤكد أن الصلة بينه وبين محفوظ وجماعة الحرافيش كانت قائمة، وأن فكرة «الحرفوش» نفسها تصلح لقراءة شخصية عادل إمام الفنية: ابن البلد، الشقى، الذكى، القادر على النجاة بالضحك وبالفطنة.
