في رحاب أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة ، وحين تتكثف المشاعر وتلين القلوب، الجميع يتحدث عن الحاجة منى إبنة مركز جرجا بمحافظة سوهاج، والتي أطلق عليها أعضاء بعثة القرعة لقب "الحاجة البركة"، فهي لا ترى أحداً إلا وتدعي له بالصحة والستر وراحة البال.
وتبدو "الحاجة البركة" عندما تتحدث معها بوجها الدائري الملائكي، بسيطة للغاية، فرغم صوتها الهادىء الذي يكون بمثابة البلسم الذي يلطف على الحجاج عناء درجات الحرارة ومشقة الحج، إلا انها تتكلم في الوقت نفسه بلباقة وكأنها لا تتحدث فقط عن رحلة حج، بل عن عمر كامل من الدعاء والصبر والانتظار.
بصوت يحمل مزيجًا من الامتنان والدهشة، روت تجربتها في أداء المناسك ضمن حج القرعة، ووصفت لحظة وجودها في رحاب المسجد النبوي باعتبارها واحدة من أعمق اللحظات التي عاشتها، حتى إنها لخصت شعورها بعبارة شديدة الصدق: "حسيت إني مش في الدنيا ولا أحتاج منها شىء آخر".
ولم تكن شهادتها مجرد انفعال عابر، بل جاءت محملة بتفاصيل تكشف أثر الرحلة على إنسانة بسيطة وجدت في التنظيم الجيد والراحة المصاحبة للمشاعر المقدسة ما يخفف عنها مشقة السفر ويضاعف إحساسها بالطمأنينة. الحاجة منى أشادت بمستوى الإقامة وقربها من قبر أشرف الخلق، وكذلك بحسن معاملة القائمين على تنظيم حج القرعة، لدرجة جعلتها قبلتهم لسماع دعوة صادقة من قلب أم حنون للجميع، معتبرة أن التجربة منحتها شعورًا بالاحتواء والكرامة، إلى جانب كونها أقل كلفة مقارنة ببدائل أخرى، وهو ما جعل الحلم أقرب إلى متناول البسطاء.
لكن أكثر ما يمنح هذه القصة قوتها ليس فقط بعدها الروحاني، بل ذلك الخيط الإنساني الدافئ الذي ظهر فجأة وهي تتحدث عن أسرتها.
فمن بين تفاصيل الرحلة، توقفت الأم عند ابنها محمود، الطالب الجامعي الذي يواصل دراسته ويعمل في الوقت نفسه لتحمل مسؤوليته في الأسرة، بكل ما تحمله الصورة من معاني الجد والاجتهاد. هنا لم تعد الحكاية عن حاجة وصلت إلى الأراضي المقدسة فحسب، بل عن أم تحمل في قلبها دعاءين معًا: دعاء القبول، ودعاء لابن يكافح في بدايات عمره كي يصنع مستقبله بيديه.
وفي هذا المشهد، تتجاوز القصة إطار التغطية التقليدية لموسم الحج، لتصبح حكاية مصرية خالصة عن الأمومة والرضا والإيمان .. سيدة جاءت تحمل أمنية دينية كبيرة، لكنها في لحظة البوح كشفت أيضًا عن وجه آخر لا يقل قداسة، وهو وجه الأم التي ترى في تعب أولادها عبادة من نوع مختلف، وفي نجاحهم امتدادًا لدعائها.
وهكذا، من جوار المسجد النبوي، خرجت الحكاية أبعد من مجرد شهادة حاجّة، لتصبح قصة إنسانية عن امرأة بسيطة لامست السماء بالدعاء، وعادت لتحتضن الأرض بفخرها بابنٍ يكافح، وقلبٍ امتلأ بالرضا.