بعد مرور عام على الانقطاع الكهربائى الضخم الذي أصاب إسبانيا وأثار حالة من الذعر في عدة مدن، تعود الطاقة النووية إلى واجهة المشهد الأوروبي بقوة غير مسبوقة، بعدما سجلت قفزة كبيرة في إنتاج الكهرباء داخل البلاد، في تحول يعكس تغيرًا واضحًا في سياسات الطاقة الأوروبية وسط تصاعد المخاوف من أزمة كهرباء جديدة خلال صيف 2026.
إنتاج الطاقة النووية ارتفع 31%
التقارير الاقتصادية الإسبانية كشفت أن إنتاج الطاقة النووية ارتفع بنسبة 31% خلال أبريل الماضي مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، لتصبح المفاعلات النووية أحد أهم مصادر الكهرباء في البلاد بعد أشهر من الجدل حول مستقبلها وإمكانية التخلص التدريجي منها لصالح الطاقة المتجددة.
ويأتي هذا التحول بعد الانقطاع الكهربائي الكبير الذي شهدته إسبانيا في أبريل 2025، عندما تعرضت أجزاء واسعة من البلاد لاضطرابات في شبكة الكهرباء أدت إلى انقطاع التيار لساعات، ما تسبب في شلل مؤقت بخدمات النقل والاتصالات وتعطل بعض الأنشطة الاقتصادية، وفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول قدرة الشبكات الأوروبية على تحمل الضغط المتزايد الناتج عن الاعتماد الكبير على مصادر الطاقة المتجددة.
ورغم أن التحقيقات الرسمية أكدت لاحقًا أن الأزمة لم تكن بسبب نقص الطاقة النووية فقط، وإنما نتيجة خلل معقد شمل اضطرابات في الجهد الكهربائي ومشكلات تقنية مرتبطة بالشبكة، فإن الحادث أعاد الاعتبار للطاقة النووية باعتبارها مصدرًا أكثر استقرارًا مقارنة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح التي تتأثر بالعوامل المناخية.
اسبانيا تزود معدلات التشغيل لأكثر من 80%
وخلال الأشهر الأخيرة، بدأت مدريد تشغيل نسبة أكبر من المفاعلات النووية، حيث وصلت معدلات التشغيل إلى أكثر من 80%، بالتزامن مع تراجع إنتاج الطاقة الكهرومائية بسبب انخفاض معدلات الأمطار والجفاف الذي ضرب مناطق واسعة من أوروبا الجنوبية.
كما شهدت بعض الدول الأوروبية الأخرى تحركات مشابهة، إذ بدأت حكومات عدة إعادة النظر في خطط إغلاق المفاعلات النووية القديمة، خاصة مع استمرار التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الغاز الطبيعي عالميًا، وهو ما زاد المخاوف من تعرض القارة لأزمة طاقة جديدة شبيهة بأزمة 2022 التي اندلعت عقب الحرب الروسية الأوكرانية.
وفي الوقت نفسه، ارتفعت أسعار الكهرباء داخل إسبانيا بشكل ملحوظ، حيث تجاوز متوسط الأسعار 65 يورو لكل ميجاوات/ساعة، بزيادة تقارب 48% مقارنة بالعام الماضي، وسط تحذيرات من موجة ارتفاعات أكبر خلال فصل الصيف مع زيادة الطلب على التبريد والطاقة.
ويربط محللون أوروبيون بين هذه الارتفاعات والتطورات الجارية في منطقة الشرق الأوسط، خاصة التوترات المتصاعدة في مضيق هرمز الذي يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط والغاز العالمية، إذ تخشى الأسواق الأوروبية من أي اضطراب محتمل في حركة الملاحة أو الإمدادات، الأمر الذي قد يدفع أسعار الغاز والطاقة إلى مستويات قياسية جديدة.
تراجع احتياطات الغاز
وتعاني أوروبا بالفعل من تراجع احتياطيات الغاز مقارنة بالمعدلات الطبيعية، في وقت تحاول فيه عدة دول ملء مخزوناتها استعدادًا لفصل الشتاء المقبل، بينما تواجه الحكومات ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع فواتير الكهرباء وتأثيرها على المواطنين والقطاع الصناعي.
ويرى خبراء أن العودة القوية للطاقة النووية لا تعني التخلي عن التحول الأخضر، لكنها تعكس محاولة لتحقيق توازن بين الطاقة النظيفة واستقرار الشبكات الكهربائية، خاصة بعدما أثبتت الأزمات الأخيرة أن الاعتماد الكامل على مصادر متقطعة مثل الشمس والرياح قد يخلق تحديات كبيرة في أوقات الذروة أو عند حدوث اضطرابات مناخية.
كما أعادت التطورات الأخيرة إشعال الانقسام السياسي داخل أوروبا بشأن مستقبل الطاقة النووية، فبينما تدافع فرنسا ودول أوروبا الشرقية عن التوسع في المفاعلات النووية باعتبارها حلًا استراتيجيًا لأمن الطاقة، لا تزال ألمانيا وبعض التيارات البيئية تعارض العودة القوية للطاقة النووية بسبب المخاوف البيئية ومخاطر الحوادث والنفايات المشعة.
ومع اقتراب صيف 2026، تتزايد المخاوف من أن تواجه أوروبا موسمًا صعبًا جديدًا في ملف الطاقة، خاصة إذا استمرت أسعار الغاز في الارتفاع أو تعرضت الإمدادات العالمية لأي اضطراب مفاجئ، وهو ما قد يدفع الحكومات الأوروبية إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لتقليل الاستهلاك واحتواء الأسعار.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو إسبانيا اليوم نموذجًا واضحًا للتحول الذي تعيشه أوروبا في ملف الطاقة، حيث عاد الخيار النووي من جديد إلى قلب النقاش بعد سنوات من التراجع، مدفوعًا بالخوف من تكرار سيناريو الظلام الكبير وارتفاع كلفة الاعتماد الكامل على البدائل المتجددة دون وجود مصادر مستقرة تدعم الشبكات الكهربائية.