من السجن إلى العقيدة.. جماعة الإخوان حوّلت تجارب الاعتقال إلى ذاكرة تنظيمية مُصنّعة تُعاد تدويرها كأداة تعبئة دائمة لتغذية خطاب المظلومية وإعادة التجنيد وضمان ولاء عقائدي مغلق يتجدد عبر الأجيال

الثلاثاء، 12 مايو 2026 06:00 م
من السجن إلى العقيدة.. جماعة الإخوان حوّلت تجارب الاعتقال إلى ذاكرة تنظيمية مُصنّعة تُعاد تدويرها كأداة تعبئة دائمة لتغذية خطاب المظلومية وإعادة التجنيد وضمان ولاء عقائدي مغلق يتجدد عبر الأجيال الاخوان

كتبت إسراء بدر

لم تعتمد جماعة الإخوان الإرهابية عبر تاريخها الطويل على الخطاب السياسي أو الديني فقط في الحفاظ على تماسكها الداخلي، بل طورت ما يمكن وصفه بـ"ذاكرة تنظيمية" يتم إعادة إنتاجها باستمرار داخل خطابها، تقوم على توظيف سرديات الاضطهاد والملاحقة والسجون بوصفها عنصرًا مركزيًا في تشكيل الهوية الجماعية للأعضاء، وإعادة تعبئتهم نفسيًا وفكريًا عبر الأجيال.

هذه الذاكرة لا تُقدم كأحداث تاريخية منفصلة، بل كمنظومة سردية متكاملة تُستخدم لتفسير الواقع، وإعادة تأطير كل مواجهة سياسية أو أمنية باعتبارها امتدادًا لصراع وجودي طويل بين التنظيم والدولة، وليس مجرد خلافات سياسية عابرة.

 

من التاريخ إلى السردية المستمرة

منذ المراحل المبكرة لتأسيس الجماعة على يد حسن البنا، تشكلت داخل الخطاب الإخواني فكرة مركزية تقوم على أن التنظيم يتعرض دائمًا لاختبار مستمر، وأن الابتلاء جزء من مسيرته وليس حدثًا طارئًا عليه.

ومع تعاقب المراحل السياسية، خاصة فترات المواجهة مع الدولة أو الاعتقالات أو الحظر، تم تثبيت هذه التجارب داخل خطاب الجماعة بوصفها محطات تأسيسية تعزز فكرة الصمود وتعيد إنتاج الشعور بالتماسك الداخلي.

 

السجن كأداة لإعادة تشكيل الهوية

داخل البنية التنظيمية، لا يُنظر إلى تجربة السجن باعتبارها نهاية أو انكسارًا، بل تُعاد صياغتها كمرحلة إعداد وتنقية واختبار للثبات.
هذه السردية يتم نقلها داخل الأدبيات الداخلية واللقاءات التربوية، بما يجعل التجربة الفردية جزءًا من ذاكرة جماعية أكبر تُستخدم لاحقًا في إعادة دمج الأعضاء داخل التنظيم، وبهذا الشكل، يتحول السجن من حدث سياسي إلى عنصر في بناء الهوية، يُعاد توظيفه لتقوية الانتماء وتعميق فكرة "الصف" في مواجهة الخارج.

 

إعادة تدوير الألم كوقود تنظيمي

أحد أبرز ملامح هذه الذاكرة التنظيمية هو إعادة تدوير تجارب الألم والمعاناة وتحويلها إلى مادة تعبئة مستمرة، فكل موجة من الاعتقالات أو التضييق أو المواجهات الأمنية يتم إدراجها داخل نفس السردية التاريخية، بما يخلق حالة من الاستمرارية الشعورية لدى الأعضاء، تجعلهم يشعرون بأنهم جزء من مسار طويل من الصراع لا ينتهي، وهذه الآلية لا تقتصر على التوثيق، بل تمتد إلى إعادة تقديم الرموز والقيادات السابقة التي تعرضت للسجن أو الملاحقة باعتبارها نماذج قدوة داخل الخطاب الداخلي.

 

بناء هوية قائمة على الصراع

تعتمد الجماعة في جزء من بنيتها الفكرية على فكرة الاصطفاف الدائم، حيث يتم تعريف الذات التنظيمية من خلال علاقتها المستمرة مع الطرف الآخر، سواء كان الدولة أو الخصوم السياسيين، وبالتالي، يصبح الصراع عنصرًا مُنتجًا للهوية، وليس مجرد حالة سياسية مؤقتة، وهذا النمط من البناء يجعل التنظيم قادرًا على إعادة إنتاج نفسه في كل مرحلة، حتى في حالات التراجع أو التفكك السياسي، لأن المرجعية الأساسية تظل قائمة على فكرة الاستمرار في مواجهة ممتدة.

 

الذاكرة كأداة تجنيد وإعادة تعبئة

الوظيفة الأهم لهذه الذاكرة التنظيمية ليست التوثيق، بل إعادة التجنيد المستمر، فالسرديات المتعلقة بالاضطهاد والسجون يتم استخدامها داخل الخطاب الداخلي لإعادة جذب عناصر جديدة، أو إعادة دمج عناصر سابقة، عبر تقديم التنظيم باعتباره حاملًا لقضية ممتدة وليس مجرد كيان سياسي، وبهذا المعنى، تتحول الذاكرة داخل الجماعة إلى أداة تشغيل تنظيمية، تُستخدم في بناء الانتماء، وإعادة التعبئة، وضبط السلوك الجماعي، وإبقاء فكرة الصراع حاضرة حتى في فترات السكون السياسي.

 

هوية لا تنفصل عن الماضي

لا يمكن فهم البنية التنظيمية للإخوان دون فهم كيفية إدارة هذه الذاكرة الداخلية، التي لا تُعامل كمجرد تاريخ، بل كأداة حية لإعادة تشكيل الحاضر والمستقبل، فبين السجن والاضطهاد والصراع، تُبنى هوية جماعية تستمد استمراريتها من إعادة إنتاج نفس السردية، بما يجعل الماضي عنصرًا فاعلًا في الحاضر، لا مجرد صفحة منتهية في سجل التنظيم.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة