وداعًا عبدالرحمن أبو زهرة.. العملاق الذى عاش بروح تلميذ.. إبداع من التراجيدى إلى الكوميدى ومن المسرح إلى ذاكرة الأطفال.. جمع بين قوة الحجاج الثقفى وسحر ديزنى وعبقرية سردينة ورسالة عم رجب فى صندوق العجب

الثلاثاء، 12 مايو 2026 12:51 م
وداعًا عبدالرحمن أبو زهرة.. العملاق الذى عاش بروح تلميذ.. إبداع من التراجيدى إلى الكوميدى ومن المسرح إلى ذاكرة الأطفال.. جمع بين قوة الحجاج الثقفى وسحر ديزنى وعبقرية سردينة ورسالة عم رجب فى صندوق العجب جنازة عبد الرحمن أبو زهرة

زينب عبداللاه

رحل الفنان الكبير عبد الرحمن أبو زهرة، أحد عمالقة الفن، وفقدنا مع رحيله قامة من جيل العظماء، وواحدًا من أكابر المسرح والدراما، صاحب الأداء العالمى، والصوت المميز والأدوار المتنوعة والقدرات الفنية الهائلة، التى مكنته أن يجيد كل الأدوار التاريخية والاجتماعية والكوميدية، لتصبح كل أدواره علامات فى تاريخ الفن.

انطفأ مع رحيله صوت من الأصوات النادرة التى لا تتكرر ، صوتٌ يحمل هيبة المسرح، وعمق المثقف، ودفء الإنسان، وذكاء الممثل الذى لم يتعامل مع الفن يومًا باعتباره مهنة، بل رسالة وحياة كاملة.

برحيله، ينفرط عقد كبار نجوم الفن ونفقد واحدًا من آخر أبناء الجيل الذى تربى على أن الفنان لا يكفى أن يكون موهوبًا، بل يجب أن يكون قارئًا ومثقفاً، وصاحب موقف، ومنضبطًا فى حياته كما هو منضبط فوق خشبة المسرح أو أمام الكاميرا، ويرى أن الالتزام الأسرى والاجتماعى امتداد للالتزام الفنى.

 

كاد الممثل أن يكون رسولًا

فى عام 2020، وخلال تكريمه فى مهرجان التجربة الأولى، الذى نظمته نقابة المهن التمثيلية أثار أبو زهرة جدلًا واسعًا حين قال: "قف للفنان ووفّه التبجيلا.. كاد الممثل أن يكون رسولًا"


هاجمه البعض ظنًا أنه يضع الفنان فى منزلة الأنبياء، لكنه خرج موضحًا فكرته بهدوء المثقف الواثق من أدواته، قائلا إن الرسول فى اللغة هو حامل رسالة، وإن الفنان الحقيقى يحمل رسالة أيضًا من خلال أعماله واختياراته.

ولم تكن هذه الجملة مجرد رأى عابر، بل كانت تلخيصًا دقيقًا لحياته ومشواره الفنى، فقد عاش مؤمنًا بأن الفنان مسئول عن الوعى والذوق والقيم، ولذلك اختار أدواره بعناية، ورفض أعمالًا كثيرة لم يقتنع بها، وظل يرى أن احترام الفنان لنفسه يبدأ من احترام ما يقدمه للجمهور.

ابن جيل «أُجبر» على الثقافة

ولد عبدالرحمن أبو زهرة فى 8 مارس 1934، وتخرج فى المعهد العالى للفنون المسرحية عام 1958، و كان يقول دائمًا إن جيله “أُجبر على الثقافة”، لأن المناخ كله كان مليئًا بالمبدعين الكبار، كان حوله صلاح عبدالصبور، وسعد الدين وهبة، وتوفيق الحكيم، وعبدالرحمن الشرقاوى، وألفريد فرج، ونجيب محفوظ، ولذلك لم يكن غريبًا أن يمتلك مكتبة تضم أكثر من ألفى كتاب، وأن يرى أن الفنان يجب أن يكون صاحب فكر وثقافة وموقف سياسى وإنسانى.

ورغم قامته الكبيرة، ظل يحمل روح التلميذ حتى آخر عمره، وكان يقول دائمًا: “أنا تلميذ لغاية النهارده.. بخاف وأذاكر واجتهد”.

الحجاج بن يوسف الثقفى

لم يكن أبو زهرة يعتمد على موهبته وحدها، بل كان يتعامل مع كل دور باعتباره مشروعًا كاملًا يحتاج إلى دراسة وبحث وتقمص، فضلاً عن إتقانه الشديد للغة العربية وأدائه الرائع فى الأعمال التاريخية والدينية


فى مسلسل "عمر بن عبدالعزيز"، الذى قدم فيه شخصية الحجاج بن يوسف الثقفى، قال إنه صنع للشخصية “ركنًا تاريخيًا” فى منزله، ودرسها بدقة، وسجل مشاهده على “كاسيت” وظل يسمعها باستمرار قبل التصوير.

وفى حوار سابق أجريناه مع الفنان رشوان توفيق، قال إن دور أبو زهرة فى المسلسل كان من أصعب الأدوار، حتى أنه تدرب شهرًا كاملًا على واحد من أطول المشاهد وصوره “وان شوت”، مرة واحدة كما لو كان يقف على المسرح.، وعمله بعبقرية وإتقان شديد، حتى أن عمر الحريرى سأله: "عملت المشهد إزاى مرة واحدة"

أما أبو زهرة نفسه فقال عن هذا الدور: “ كان المشهد عبارة عن 12 صفحة أقول فيها شعراً وأوجه كلامى للحاكم وأتحرك ، وحضرت هذا المشهد قبله بشهر كامل، فأنا أعتبر كل دور تجربة وامتحان، وأنا فى امتحان دائم”.

«أرض الخوف»..والبحث عن الكمال

وتكشف حكايته مع فيلم أرض الخوف عن طبيعة الفنان الذى لا يكتفى بالإجادة، بل يبحث دائمًا عن لحظة الصدق الكاملة، فبعد انتهائه من تصوير المشهد الشهير الذى جمعه بالفنان أحمد زكي داخل المسجد، أشاد الجميع بأدائه، لكنه لم يكن راضيًا عن نفسه، فاتصل بالمخرج داوود عبدالسيد وطلب إعادة تصوير المشهد.


قال له المخرج إن المشهد ممتاز، لكنه أجابه: “لو فكرت ثانية فى الحوار أبقى انفصلت عن الشخصية”، فوافق داوود عبدالسيد، كما وافق أحمد زكى قائلا: “ده أستاذ أبو زهرة اللى اكتشفنى”، وبالفعل أُعيد تصوير المشهد، ليصبح واحدًا من أهم مشاهده فى الفيلم، ويحصل أبو زهرة بسببه على ثلاث جوائز.

ولم تكن علاقته بأحمد زكى عادية، فقد كشف أبو زهرة أنه كان عضوًا فى لجنة مشاهدة مشاريع التخرج بالمعهد حين شاهد أحمد زكى لأول مرة، وبعد انتهائه من الأداء اقترب منه قائلا: “إنت هتبقى أعظم ممثل فى مصر”.

«سردينة».. الدور الذى جاء بالصدفة فأصبح أيقونة

حتى الأدوار التى لم تُكتب له خصيصًا، كان أبو زهرة يحولها إلى علامات خالدة.
فشخصية “الحاج إبراهيم سردينة” فى مسلسل "لن أعيش في جلباب أبي" لم يكن مرشحًا لها فى البداية، بل جاء إليها بعد اعتذار أكثر من ممثل.
وحكى أبو زهرة أن المخرج أحمد توفيق اتصل به ليلًا طالبًا حضوره فورًا للتصوير، فذهب دون أن يقرأ السيناريو، وبدأ بأول مشهد وبعدها درس الشخصية وأجادها، وصنع واحدة من أشهر الشخصيات فى تاريخ الدراما المصرية، رغم أنها كانت أول مرة يقدم فيها شخصية “معلم”.

الكوميديا.. موهبة لا تقل عن التراجيديا

ورغم هيبته وصوته العميق، امتلك أبو زهرة قدرة استثنائية على الكوميديا، حتى قال الفنان الكبير محمود مرسى إنه كان يذهب لمشاهدة مسرحية “الفرافير” فقط ليرى أداءه الكوميدى، وفى السنوات الأخيرة شارك فى عدد من  الأدوار الكوميدية المختلفة، مثل ظهوره المميز فى فيلم تيتة رهيبة، حيث قدم خفة ظل خاصة دون افتعال بأدا شخصية "الجد رمان"، وكذلك مشاركته فى مسلسل فيفا أطاطا مع محمد سعد، حيث أثبت أن الممثل الحقيقى يستطيع الانتقال بين كل الألوان بسهولة، دون أن يفقد هيبته أو قيمته الفنية.

من المسرح القومى إلى ذاكرة الأطفال

لكن المفارقة الجميلة أن هذا الفنان الذى أبدع الأدوار التاريخية والدينية والكوميدية وكان صاحب هيبة وحضور قوى على المسرح، كان أيضًا واحدًا من أهم الأصوات التى صنعت ذاكرة الطفولة العربية، وأصبح صوته جزء من وجدان أجيال كاملة من خلال مشاركته فى العديد من الأعمال الإذاعية والتلفزيونية الموجهة للأطفال، وحضوره القوى فى دوبلاج العديد من الأعمال العربية والعالمية، حيث حققت “سكار” فى النسخة العربية من  ديزنى، والتى منحها أداءً استثنائيًا جعلها من أجمل وأكثر الشخصيات نجاحاً على مستوى العالم، وجعل النسخة العربية من العمل أقوى من الأصلية.

ولم يكن نجاحه فى الدوبلاج قائمًا على خامة صوته فقط، بل على خلفيته المسرحية والإذاعية، فقد كان يتعامل مع الشخصية الكرتونية كما لو كانت شخصية درامية حقيقية لها روح ومشاعر وتفاصيل.

غنى فأبهر الجميع

ولأن الفنان الحقيقى لا يعرف الحدود التقليدية، أدهش أبو زهرة الجمهور أيضًا فى فيلم الرسوم المتحركة الفارس والأميرة، حين قدم بصوته شخصية “المشعوذ أبو الرياح”، ولم يكتف بالأداء التمثيلى، بل غنى أيضًا “أغنية الكاهن” ببراعة شديدة رغم أنه ليس مطربًا محترفًا.
وكان يتحدث عن الفيلم بحب شديد، حتى إنه وصفه بأنه “ابنه”، خاصة أن العمل استغرق ما يقرب من عشرين عامًا حتى يرى النور، وكان سعيدًا للغاية بعرضه  فى مهرجان الجونة السينمائى.

«عم رجب».. فنان خاطب الطفل باحترام

ومن أجمل محطاته أيضًا برنامجه الإذاعى الشهير “عم رجب وصندوق العجب”، الذى كتبه مصطفى الشندويلى، وارتبط به أطفال السبعينيات والثمانينيات.
فى هذا البرنامج لم يكن يقدم مجرد تسلية للأطفال، بل كان يغرس قيم العمل والتفكير والأخلاق من خلال الحكايات والأغانى، مؤمنًا بأن الفن الموجه للطفل جزء من بناء الشخصية الإنسانية.

حياته «بيته وفنه»

وربما كان أكثر ما يميز عبدالرحمن أبو زهرة أنه عاش بنفس القدر من الالتزام داخل بيته.
فقد تحدث صديق عمره رشوان توفيق عنه باعتباره نموذجًا للفنان الملتزم فنيًا وأسريًا، قائلا إن حياته كلها كانت تدور حول “بيته وفنه وأولاده”.


وكان وفيًا بشدة لزوجته الكاتبة سلوى الرافعي، وبعد رحيلها تحدث بحزن مؤثر قائلا إنه ما زال يشعر بوجودها فى كل أركان البيت.
كما كان شديد الفخر بأبنائه وأحفاده، يتحدث عنهم دائماً، ويرى أن نجاحهم الحقيقى ليس فى المناصب أو الشهرة فقط، بل فى الأخلاق والترابط والمحبة، وهو ما نجح أبو زهرة أن يغرسه فيهم، ومنهم  أميرة ومريم أبو زهرة عازفتا الكمان العالميتان واللتان شاركتا فى حفلات عالمية كبرى، وفى افتتاح المتحف الكبير، وحفيده عمر مفيد عاشور الذى يكتب الشعر، وعندما مرض جده كتب رسالة مؤثرة عبر حسابه على إنستجرام، قائلا: "كيف يكون شعورك وأنت جدك عبد الرحمن أبو زهرة؟ يعني ذلك نقاشات لا تنتهي عن الفن وقصصًا لا تُحصى عن العصر الذهبي للسينما والمسرح، في سن الثامنة كنت ستتعلم أن انضباط الممثل لا يقل عن انضباط الجندي، وفي سن الثانية عشرة كنت ستعرف من هم (نجيب سرور، توفيق الحكيم، كرم مطاوي، ألفريد فراج، جورج أبيض، وغيرهم الكثير من الفنانين العظماء، وكنت ستكن حبًا عميقًا للمسرح وجميع أنواع الفنون ويصبح الفنّ شيئًا مقدسًا في نظرك، لأنّ حديثه عنه يُشعرك بأنّه لا يُمكن أن يكون هناك شيءٌ أجمل أو أروع منه".


واختتم رسالته، قائلا: "أستطيع أن أكتب كتابًا كاملًا عن مدى أهمية هذا الرجل بالنسبة لي، ولن يكون ذلك كافيًا".

فنان عاش تلميذًا حتى النهاية

حين ننظر إلى رحلة عبدالرحمن أبو زهرة، لا نتذكر فقط ممثلًا عبقريًا، بل نتذكر نموذجًا نادرًا لفنان عاش الفن بضمير، والثقافة بشغف، والأسرة بإخلاص.


فنان ظل يذاكر أدواره حتى آخر العمر، ويقف أمام المرآة ليتأكد أنه “لبس الشخصية”، ويشعر بالخوف من كل دور جديد كأنه ما زال فى بدايته الأولى.
وربما لهذا سيبقى عبدالرحمن أبو زهرة حاضرًا دائمًا.. ليس فقط فى الأدوار التى قدمها، بل فى المعنى الذى جسده طوال حياته، والرسالة التى عاش يحملها ونجح أن يؤديها بأمانة .

أشرف زكي
أشرف زكي

 

الدكتور أشرف زكي
الدكتور أشرف زكي

 

الشيخ خالد الجندي
الشيخ خالد الجندي

 

الفنان القدير رشوان توفيق
الفنان القدير رشوان توفيق

 

الفنان جمال عبد الناصر
الفنان جمال عبد الناصر

 

الفنان محمد محمود
الفنان محمد محمود

 

المصوريين في جنازة عبد الرحمن أبو زهرة
المصوريين في جنازة عبد الرحمن أبو زهرة

 

الممثل الكبير رشوان توفيق
الممثل الكبير رشوان توفيق

 

إيهاب فهمي
إيهاب فهمي

 

تشييع جثمان عبد الرحمن أبو زهرة
تشييع جثمان عبد الرحمن أبو زهرة

 

تشييع جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة
تشييع جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة

 

جانب من الجنازة
جانب من الجنازة

 

جانب من جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة
جانب من جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة

 

جمال عبد الناصر
جمال عبد الناصر

 

جنارة الراحل
جنارة الراحل

 

جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة
جنازة الراحل عبد الرحمن أبو زهرة

 

جنازة الفنان عبد الرحمن أبو زهرة
جنازة الفنان عبد الرحمن أبو زهرة

 

جنازة عبد الرحمن أبو زهرة
جنازة عبد الرحمن أبو زهرة

 

خالد الجندي
خالد الجندي

 

رشوان توفيق
رشوان توفيق

 

سلوى محمد علي
سلوى محمد علي

 

شريف حلمي
شريف حلمي

 

شريف مختار
شريف مختار

 

محمد محمود
محمد محمود

 

محمود عبد الغفار
محمود عبد الغفار

 

مفيد عاشور ومحمود عبد الغفار
مفيد عاشور ومحمود عبد الغفار

 

مفيد عاشور
مفيد عاشور

 

نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي
نقيب المهن التمثيلية الدكتور أشرف زكي

 

وفاء مكي
وفاء مكي

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة