زيارة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون إلى مصر ومباحثاته مع الرئيس عبدالفتاح السيسى، أمر يتجاوز أهمية مناسبة افتتاح جامعة ليوبولد سنجور، وهى حدث مهم وثقافى وسياسى يتعلق بأفريقيا وعلاقات مصر الأفريقية وحرصها على دعم الكفاءات والخبرات والكوادر الأفريقية، حيث تدعم مصر طوال سنوات حق أفريقيا فى التنمية والاستقرار، وهذا ينطلق من رؤية مصرية ترى أن استقرار وتنمية أفريقيا يقللان الضغوط على أوروبا، سواء بالهجرة غير الشرعية أو التأثيرات الاقتصادية والأمنية، وقد أصبحت الرؤية المصرية نموذجا لرؤية دولة تتفهم أهمية الاستقرار وإنهاء الصراعات، ودعم المسارات السياسية والتنموية، وبجانب العلاقات الثنائية بين القاهرة وباريس، تجاريا واقتصاديا، هناك التقارب والتوافق السياسى.
بذلت مصر على مدى سنوات جهدا لإقناع دول أوروبا والعالم بأهمية هذا المسار، فى كل الأصعدة، وهو ما دعم العلاقات المصرية الفرنسية، ولا يمكن تجاهل تأثير زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى فرنسا، وأيضا تأثير زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى مصر فى أبريل من العام الماضى، والتى ساهمت فى كسب فرنسا إلى صف التسوية والسلام، ودعم مسارات إنهاء إلحرب، زيارة الرئيس الفرنسى لمصر العام الماضى ساهمت فى تقوية اتجاه بوصلة السياسات الفرنسية تجاه وجهة النظر المصرية ودعمت موقف مصر كركيزة أساسية للاستقرار فى المنطقة، وضاعفت ما تحظى به من ثقة دولية وإقليمية، لأنها تقدم سياسات متوازنة وواقعية، تقوم على معلومات وتفاصيل وتفهم للكثير من التناقضات والتنوع فى الآراء، وتدعم مبادئ حاكمة تتجاوز الاستقطاب أو الرؤية الضيقة لأى من الأطراف، وفرنسا عضو قائد وفاعل فى الاتحاد الأوروبى، بجانب أنها تعود للمنطقة، وتختلف أحيانا مع الولايات المتحدة الحليف التقليدى.
من هنا فقد انتهزت مصر فرصة حدث فرانكفونى هو افتتاح الفرع الجديد لجامعة سنجور فى برج العرب، لتكون مناسبة لمباحثات تناولت الأحداث الحالية، الرئيس السيسى شدد خلال المباحثات مع الرئيس الفرنسى على ضرورة إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية، بما تعكسه من تداعيات سلبية على الاقتصاد والطاقة والتضخم فى العالم، وحرص الرئيس السيسى على تأكيد ضرورة الحفاظ على التوازن الإقليمى، ورفض التدخلات الخارجية، ومواجهة الاعتداءات الإيرانية التى تستهدف دول الخليج، وتجنيب المنطقة المزيد من التصعيد، من خلال الصدام المباشر أو «الوكلاء» مما يعيق التوازن الإقليمى، تتبنى مصر موقفا رافضا للتدخلات، وداعيا لنظام إقليمى يعالج اختلالات النظام الدولى.
لقاء الرئيس السيسى مع الرئيس ماكرون يأتى بعد يوم من جولة الرئيس الخليجية، إلى الإمارات وسلطنة عمان، وما كشفته عن التحركات المصرية المعلنة وغير المعلنة لإنهاء الحرب وتخفيف آثارها، والسيطرة على أدوات الصراع بشكل يخرجها من الانفعال إلى البناء، فالوجود المصرى فى دول الخليج تأكيد على موقف مصرى يرفض الحرب ويدين الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج، ويسعى لبناء وتأكيد موقف عربى يواجه التداعيات ولا يترك فراغا يملؤه التمدد الإسرائيلى، أو الطموح الإيرانى، وكلاهما يدفع نحو الحرب.
الرئيس السيسى أكد ضرورة الانتقال للمرحلة الثانية فى اتفاق السلام، وضمان نفاذ المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، حيث تعتبر القضية الفلسطينية هى القضية المحورية للشرق الأوسط، ولا استقرار دون حل عادل وإقامة الدولة الفلسطينية، حيث تشوش الحرب الأمريكية الإيرانية على القضية الأساسية قضية فلسطين وغزة، التى تتطلب الانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، وإعادة الإعمار، وإنهاء الحرب فى لبنان، حيث تعرقل إسرائيل الانتقال للمرحلة الثانية فى اتفاق السلام فى غزة، وتستمر فى ممارساتها التى تحول دون الاستقرار، بينما تشير التطورات العسكرية إلى أن الاحتلال لم يصمد أمام صواريخ إيران، وبالتالى تتساقط مزاعمه فى تغيير الشرق الأوسط، ونفس الأمر فيما يتعلق بإيران، وكل هذا يفترض أن يقود لنظام إقليمى، خالٍ من الاستقطاب وغرور القوة، حيث لن تشهد المنطقة استقرارا من دون حل نهائى للقضية الفلسطينية.
والواضح أن كل التطورات الإقليمية، بما فى ذلك الحرب مع إيران، هى فى جوهرها تداعيات مرتبطة بأحداث 7 أكتوبر 2023 وما تبعها من حرب إبادة شنها الاحتلال، ومواجهات مع وكلاء إيران ثم مع طهران، حتى الآن، وهو ما يمثل استمرارا لتداعيات وتطورات كشفت عن خطورة هذا الوضع، وغياب القدرة لدى النظام الدولى على التدخل.