أحمد إبراهيم الشريف

يحدث فى بينالى البندقية

الإثنين، 11 مايو 2026 10:12 ص


لا تزال الفنون تملك قدرتها الخاصة على التعبير، وتواصل دورها الأساسى فى نصرة الإنسان، وما يحدث هذه الأيام فى بينالى البندقية / فينيسيا خير دليل على ذلك، لقد خرج الكثيرون فى تظاهرات كبيرة معترضين على مشاركة دولة جيش الاحتلال فى البينالي، منادين بهتاف "لا للإبادة الجماعية".

هناك، تحولت المدينة الإيطالية العتيقة إلى ساحة نقاش أخلاقى بعدما خرج فنانون وناشطون ومشاركون فى احتجاجات ضد الحرب على غزة، وضد مشاركة إسرائيل، فيما شهدت الدورة الحالية استقالة لجنة التحكيم وإضرابات ثقافية، وإغلاق بعض الأجنحة الفنية تضامنًا مع فلسطين.

هذا هو دور الفن، أن يصرخ فى وجه المعتدين، وأن يقول للمحتلين أنكم تستحقون محاكمات دولية، وأن ما حدث فى غزة ليس بالأمر الهين، لقد سعيتم للقضاء على شعب، بينما منظمات العالم وقفت تتابع فى صمت أو تؤيد فى فجور، لكن الفن الحقيقى لا يفعل ذلك بل يقول كلمته ويدافع عنها بكل يقين.

فى مواطن كثيرة لا يفهم الناس الفنون، ويظنون أنها رفاهية، لكنها فى الحقيقة أصل من أصول الوعى الإنساني، ووسيلة البشر الكبرى فى حفظ ذاكرتهم والتعبير عن آلامهم، والانتصار لقيمهم، الفن لم يكن يومًا بعيدًا عن معارك الإنسان الكبرى، فكل الحروب تركت وراءها لوحات وقصائد وأغنيات وأفلامًا وشهادات، لأن الفنان يرى ما وراء الدخان، ويعرف أن مهمته تتجاوز المتعة البصرية إلى حماية المعنى نفسه.

فى بينالى البندقية ظهرت هذه الحقيقة بوضوح، فالفنانون الذين خرجوا إلى الشوارع، أو وقعوا بيانات الاعتراض، أو أغلقوا أجنحتهم، كانوا يدافعون عن فكرة جوهرية تقول إن الثقافة جزء من الضمير العالمي، وإن الفنان يحمل مسئولية أخلاقية تجاه الدم الذى يسيل فى العالم، ولهذا تحولت القاعات الفنية إلى مساحة مواجهة، وتحولت الأعمال الفنية نفسها إلى رسائل احتجاج وغضب وأسئلة كبرى عن العدالة والإنسانية.

الفن هنا لم ينشغل بالشكل وحده، بل انشغل بالإنسان الذى فقد بيته وأطفاله وحياته، وكثير من الفنانين تحدثوا عن غزة باعتبارها مأساة تخص العالم أجمع، وكثير من الشعارات التى رفعت فى فينيسيا ربطت بين الفن والحرية والكرامة الإنسانية، لأن المبدع الحقيقى يشعر دائمًا أن الدفاع عن الإنسان جزء من الدفاع عن الفن نفسه.

التاريخ يحتفظ دائمًا بمواقف الفنانين فى اللحظات الصعبة، ويمنح القيمة الكبرى لمن امتلكوا الشجاعة فى مواجهة العنف والقهر، لهذا بقيت أعمال بيكاسو ضد الحرب، وبقى شعر محمود درويش، وبقيت الأغنيات التى خرجت من قلب المآسي.

ما يحدث فى بينالى البندقية يؤكد أن العالم الثقافى لا يزال قادرًا على الحركة، وأن الفن لا يزال يملك صوته وتأثيره، وأن المبدعين فى أنحاء كثيرة من العالم يحملون إيمانًا عميقًا بأن الدفاع عن الإنسان قضية لا تقبل التأجيل. 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة