صدمة المائة ألف جندي: حقيقة أم بالون اختبار؟
ضجت منصات التواصل الاجتماعي ودوائر صنع القرار في أبريل 2026 بتصريحات وُصفت بالانتحارية سياسيًا، أطلقها الجنرال موهوزي كاينيروغابا، قائد الجيش الأوغندي ونجل الرئيس "موسيفيني". حيث أعلن بوضوح استعداده لإرسال 100 ألف جندي أوغندي لحماية إسرائيل، معتبرًا إياها "الأرض المقدسة" التي تستحق التضحية.
بالنظر إلى الحقائق العسكرية، نجد أن هذا التصريح يفتقر للواقعية اللوجستية؛ فالجيش الأوغندي بأكمله لا يتجاوز 50 ألف جندي. لكن الخطورة لا تكمن في الرقم، بل في الدلالة. فالتصريح ليس مجرد "تغريدة" عابرة، بل هو تعبير عن تيار "صهيوني- أفريقي" صاعد يرى في التحالف مع الكيان الصهيوني والغرب مخرجاً أمنيًا وطوق نجاة اقتصادياً، وهو ما يطرح التساؤل الوجودي: هل تضيع أفريقيا من بين أيدي العرب والمسلمين لصالح القوى الاستعمارية الجديدة؟
مؤتمر "برلين" جديد؟: التكالب الثاني وأدوات القوة الناعمة.
إن ما نشهده اليوم هو نسخة مطورة من "التكالب الاستعماري" الذي مزق القارة في القرن التاسع عشر؛ فأفريقيا اليوم لا تُحتل بالجيوش فقط، بل تُخترق عبر مسارات استراتيجية مدروسة:
الأمن مقابل الولاء: تقدم إسرائيل نفسها كـ "شرطي تكنولوجي" للأنظمة الأفريقية عبر تصدير أنظمة المراقبة والطائرات المسيرة.
دبلوماسية المياه والغذاء: التوغل الغربي والإسرائيلي عبر مشروعات الري والتقنيات الحيوية، وهي مجالات تمس عصب الحياة للقارة.
الصراع على "الكتلة التصويتية": محاولة عزل القضايا العربية عن الوجدان الأفريقي وتحويل القارة إلى حليف داعم للكيان في المحافل الدولية.
الدور المصري: استعادة الريادة بـ فلسفة البناء
في مقابل هذا التغلغل، برزت الدولة المصرية في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي كحائط صد استراتيجي، حيث انتقلت السياسة الخارجية المصرية من "الجمود" إلى "الاشتباك الإيجابي" مع قضايا القارة، وذلك عبر عدة محاور:
المشروعات التنموية العملاقة: لم تعد مصر تكتفي بالدعم الدبلوماسي، بل قدمت نموذجًا عمليًا مثل سد "جوليوس نيريري" في تنزانيا، الذي نُفذ بأيادٍ مصرية، ليكون رمزا لقدرة الأفارقة على بناء مستقبلهم بعيداً عن الشروط الغربية المجحفة. فالقاهرة هنا لا تكتفي برسم المسارات، بل تغرس الجذور في الأرض الأفريقية بالخرسانة والصلب والعرق المصري. لعبت مصر دورًا محوريًا في مكافحة الإرهاب ونقل خبراتها الأمنية للدول الأفريقية، مع تعزيز دور "مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات" الذي تستضيفه القاهرة.
القوة الناعمة والطبية: من خلال مبادرات مثل "علاج مليون أفريقي من فيروس سي" والقوافل الطبية المستمرة، أثبتت مصر أن العمق العربي والإسلامي للقارة هو عمق "إنساني وتنموي" وليس "استغلاليًا".
الربط الاستراتيجي: مشروعات الربط الكهربائي وطريق "القاهرة - كيب تاون" تهدف إلى جعل القارة وحدة اقتصادية متكاملة، مما يقلل من ارتهانها للقوى الخارجية.
التحدي الوجودي: سيادة القارة أم تبعية "الوكلاء"؟
على الرغم من جهود مصر والدول العربية المستيقظة، إلا أن "النـزعات القُطرية الضيقة" (بمعنى تغليب مصلحة الدولة الواحدة على المصالح القومية المشتركة) تظل الثغرة التي ينفذ منها الغرب. فالدول التي تعاني من أزمات شرعية تجد في التصريحات الموالية لإسرائيل (مثل تصريح أوغندا) وسيلة لكسب الرضا الدولي. إن ضياع أفريقيا لن يكون بقرار مفاجئ، بل هو عملية "تآكل تدريجي" للنفوذ العربي ما لم يتم تعميم النموذج المصري القائم على "التنمية المشتركة" كبديل للمشروع الصهيوني-الغربي.
خاتمة: استعادة القارة.. معركة "فعل لا رد فعل"
إن أفريقيا ليست مجرد جغرافيا، بل هي مستقبل التوازنات الدولية. وضياعها مرة أخرى يعني حصارًا استراتيجيًا كاملًا للعالم العربي والإسلامي من الجنوب.
إن التصريحات الأوغندية هي صرخة إنذار؛ فإما أن نتبنى "رؤية مصرية-عربية" شاملة تعتمد على العلم والتكنولوجيا والارتباط المصيري، أو نكتفي بمشاهدة القارة وهي تنجرف نحو أحضان من لا يرى فيها إلا منجمًا للموارد وقاعدة للمصالح. المعركة اليوم هي معركة بناء سدود ومصانع وعقول، تمامًا كما تفعل القاهرة الآن في قلب القارة السمراء.