«حكايات من «الورشة» و«المجزر» و«الشارع» كيف احتلت النساء قمة الوظائف الصعبة؟.. «قاضية المجزر».. سوزان سند: الختم فى يدى «حكم» لا سلطة.. واجهت «مؤامرات» الإطاحة بى بالسكاكين.. وفرضت شخصيتى حتى آمن الجميع بى

الجمعة، 01 مايو 2026 01:00 م
«حكايات من «الورشة» و«المجزر» و«الشارع» كيف احتلت النساء قمة الوظائف الصعبة؟.. «قاضية المجزر».. سوزان سند: الختم فى يدى «حكم» لا سلطة.. واجهت «مؤامرات» الإطاحة بى بالسكاكين.. وفرضت شخصيتى حتى آمن الجميع بى قاضية المجز

كتبت - آية دعبس

 سمة.. سيدة الدليفرى التى روضت الموتوسيكل وتقطع 200 كيلو يوميا لتوصيل الطلبات.. أميرة عصام.. «بريمو» الخراطة طوعت الحديد لتصنع مستقبلا لنجلها.. وكرمتها السيدة انتصار السيسى
 

فى عيد العمال لعام 2026، فرضت المرأة المصرية نفسها وأثبتت جدارتها وهى تمارس المهن الخشنة، حتى أصبح الأمر واقعا يفرض نفسه بفضل الكفاءة والاحترافية، خلف ضجيج ماكينات الخراطة، ووسط صرامة الرقابة داخل المجازر، وبين زحام الشوارع فوق دراجات توصيل الطلبات، ترسم «نون النسوة» ملامح عهد جديد، شعاره أن «العمل لا يعرف النوع، بل يعرف الإتقان».

بين «الورشة» و«المجزر» و«الشارع»، نقتحم عوالم ثلاث سيدات قررن اقتحام الميادين الصعبة، لم تكن غايتهن مجرد البحث عن لقمة العيش، بل إثبات الذات فى وظائف ظلت لقرون حكرا على الرجال، طبيبة تفرض علمها بـ«ختم» المسؤولية، ومدربة تطوع الحديد بـ«الميكرون»، وسيدة تروض الموتوسيكل لتقطع مئات الكيلومترات يوميا، جميعهن يجمعهن رابط واحد: «الإصرار على ترك بصمة لا تمحى».

«اليوم السابع» تفتح ملف «المهن غير التقليدية»، ليروى قصص كفاح بسمة وسوزان وأميرة.. حكايات بدأت بـ«تحدى النظرة المجتمعية»، وانتهت بالجلوس على قمة النجاح فى أصعب الوظائف.

 

«قاضية المجزر».. الدكتورة سوزان سند

فى قلب «المجازر»، حيث تتقاطع أصوات المعادن مع صرامة المهنة، وتطغى بيئة العمل الشاقة على كل ما سواها، تبرز الدكتورة سوزان محمود سند كنموذج استثنائى للمرأة العاملة فى عيد العمال 2026، كسرت الاحتكار الذكورى للمناصب القيادية فى المجازر، لتشغل منصب مدير الشؤون البيطرية - نائب مدير عام المجزر، وتثبت أن الكفاءة لا تعترف بالنوع، بل بالإخلاص والأثر.

سوزان، ابنة دفعة 1993 بطب بيطرى القاهرة، والأم لثلاثة أبناء «صيدلانية، وخريج إدارة أعمال، وطالبة جامعية»، بدأت مسيرتها فى العمل الإدارى والتفتيشى، لكن شغفها كان يدفعها دائما نحو «الميدان»، وفى عام 2014، اتخذت قرارا وصفه البعض بالمغامرة، حين طلبت الانتقال للعمل داخل المجزر.

الدكتورة سوزان سند
الدكتورة سوزان سند

تحكى الدكتورة سوزان عن تلك اللحظة: «أردت التواجد فى المجال الذى لا يمكن لأى تخصص آخر أن ينافس فيه الطبيب البيطرى.. المجزر هو حصننا المهنى المنيع»، واجهت فى البداية رفضا قاطعا من مديرها آنذاك، الذى لم يتخيل وجودها فى تلك البيئة القاسية، لكنها أصرت قائلة: «إما النقل إلى المجزر أو الاستقالة»، راهن الجميع على عودتها سريعا للمكتب، لكنها خيبت ظنونهم بصمود دام لسنوات.

وتصف الدكتورة سوزان شعورها وهى تمسك ب «ختم اللحوم» بأنه شعور «القاضى» الذى يقف على خيط رفيع من العدالة، وتقول: «الختم فى يدى ليس سلطة، بل هو أمانة ومسؤولية عظمى.

ولم تكن رحلة الوصول لقمة الهرم الإدارى سهلة، فدخول سيدة شخصيتها قوية لعالم الجزارين كان كمن يطأ عش دبابير.. فواجهت النظرات المتشككة بقوة الشخصية، ففرضت منع التدخين ومنعت الألفاظ الخارجة فى عنبرها بالحزم، حتى روضت المكان.

 فالمجزر بيئة تعج بالتحديات، من العمل المتواصل لـ12 ساعة فى المواسم، إلى مواجهة الطباع الخشنة، تتذكر سوزان موقفا لا يمحى من ذاكرتها، حين تعرضت لمؤامرة من بعض الزملاء الذين حرضوا أحد الجزارين للاعتداء عليها وإهانتها وسط الرجال بهدف دفعها لترك العمل، إلا أنها واجهت ذلك بقوة وهددت بدفن من يقترب منها، وأوقفت العمل تماما حتى فرض الاحترام وطرد المعتدى، وبعد سنوات، عاد نفس الجزار ليعتذر لها مؤكدا أنه أجبر على ذلك.

نجحت الدكتورة سوزان فى تغيير ثقافة المكان، منعت التدخين داخل العنابر، وفرضت الالتزام باللغة المهنية الراقية بدلا من الألفاظ الخارجة، وتقول: «لا أحب أن أكون مجرد عدد فى منظومة، بل أبحث دائما عن البصمة، واليوم، بصفتى أول سيدة تشغل منصب مدير الشؤون البيطرية، أشرف على كل الفنيات والإداريات، وأكشف بيدى فى الميدان إذا استدعى الأمر، فليس فى المجزر مكان للشكليات».

فى عيد العمال 2026، توجه الدكتورة سوزان رسالة واضحة للمسؤولين: «المرأة فى ميدان العمل هى كيان وموظف كامل الأهلية، لا يجب تمييزها لكونها أنثى.

 

بسمة سيدة الدليفرى

بين زحام السيارات ولهيب الأسفلت، تلمح خوذة تتطاير من خلفها خصلات شعر، وملامح هادئة تقود «موتوسيكل» ببراعة المحترفين، هى «بسمة محمد صالح»، ابنة الـ36 عاما، التى أصبحت واحدة من أيقونات المهن غير التقليدية للنساء.

بدأت حكاية بسمة فى أغسطس 2024، لم تكن تخطط لأن تكون «دليفرى»، لكن الفضول وحاجة العمل دفعاها لتغيير مسار حياتها، تحكى بسمة لـ«اليوم السابع» قصتها، فتقول: البداية كانت على سكوتر، ابن خالتى الذى علمنى السواقة فى 3 أيام فقط، ووقتها أحببت السواقة جدا»، لكن طموحها لم يتوقف عند السكوتر، فمن أجل استمرارية العمل، قررت الانتقال لقيادة الموتوسيكل، وهنا بدأ التحدى الحقيقى، حيث تعلمت القيادة «نظريا» عبر الإنترنت، ثم طبقت عمليا لثلاث مرات فقط على دراجات زملائها، قبل أن تقسط دراجتها الخاصة وتغزو بها الشوارع. 

بسمة سيدة الدليفرى
بسمة سيدة الدليفرى

وتقضى بسمة أكثر من 8 ساعات عمل، تقطع خلالها مسافة تزيد على 200 كيلومتر يوميا، وعن طقوسها اليومية تقول: «لدى مجموعة من الأغراض التى لا يمكن أن أنزل لأبدأ عملى دونها، مثل: زجاجة المياه، ومنتجات ترطيب البشرة، والباور بانك.. وطبعا ملابس الأمان من خوذة وجوانتى، لأنهم خط الدفاع الأول فى الشارع».

تستذكر بسمة بداياتها بابتسامة، فتقول: «كنت فى الأول با لبس غامق وبدارى شعرى تحت الخوذة خوفا من المعاكسات، لكن بعد أول وقعة لى فى الشارع، شفت شهامة الناس ومساعدتهم، فقررت أكون نفسى.. دلوقت بالبس ألوانى وباسيب شعرى يظهر، والناس بتقابلنى بالسلام والتشجيع مش المعاكسة، حتى أننى ألمس بوضوح تغير نظرة المجتمع فكلمة «دى شغلانة رجالة» اتغيرت وأصبحت «دورى على حاجة أسهل».

من المواقف التى لا تنساها بسمة، طفلة صغيرة رأتها عند أحد المطاعم وسألت والدتها ببراءة: «هى دى سوبر هيرو؟»، لترد الأم: «أيوة»، هذا اللقب هو الأغلى لقلب بسمة، وبجانب البطولة، تلتزم بسمة ب «أصول» المهنة، فعندما تطرق باب عميل، تخفض بصرها فورا احتراما لخصوصية البيوت، وهو ما يجعل العملاء يقابلونها بامتنان، مثل ذلك العميل الذى رفض تركها تذهب فى الثانية صباحا حتى يطمئن على وصولها.

وفى عيد العمال، تحمل بسمة ملفا من المطالب المشروعة لزميلاتها فى المهن غير التقليدية، قائلة: «نحتاج تسهيلات فى مشروعات الدولة، مثل: الإسكان الاجتماعى، واعترافا رسميا من جهات عملنا بمفردات مرتب تضمن لنا حياة آدمية.

 

أول خراطة ميكانيكية

وسط ضجيج الماكينات وتطاير شرارات الحديد، تقف أميرة عصام، ابنة الـ31 عاما، لتروض الماكينات لم تكتف بأن تكون فنية خراطة، بل أصبحت أول مدربة خراطة ميكانيكية ورقمنة فى مصر، لتثبت أن الأنامل التى تربى الأجيال هى ذاتها التى تشكل المعادن بدقة «الميكرون».

بدأ شغف أميرة من ورشة المعهد الفنى الصناعى بالبحيرة، حين انجذبت لماكينة الخراطة دون غيرها، وتقول أميرة: «لم أكن أعرف عنها شيئا، لكن حين رأيتها شعرت بعظمتها، فهى الماكينة التى تصنع أى قطعة غيار فى العالم.. كنت أشعر بالفخر وأنا أحول قطعة معدن صماء إلى منتج جديد له روح واستخدام».

أميرة عصام
أميرة عصام

لم يكن الطريق ممهدا، فقد واجهت أميرة رفضا مجتمعيا قاطعا؛ والجميع كان يرى أن «الورشة للرجال فقط»، لكن إصرارها قادها للأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا، حيث بدأت رحلة كفاح يومية: «كنت أستيقظ فى السادسة صباحا لأسافر من كفر الدوار إلى الإسكندرية، أقضى 4 ساعات فى الطريق يوميا، وأقف أمام الماكينة لـ8 ساعات متواصلة.. لم يكن التعب ينال منى لأننى كنت أبحث عن ذاتى وسط الحديد».

بعد 8 سنوات من الخبرة، تحولت أميرة إلى مدربة تنقل خبراتها للطالبات لكسر حاجز الخوف لديهن، وعن طبيعة العمل الخشنة تقول: «يداى التى يغطيها الشحم والزيت هى وسام فخرى، وتعادلى الناعم مع الماكينة يمنحنى دقة استثنائية فى الإنتاج. الخراطة هى مهنة الصبر والتركيز، وبمجرد خلع «عفريتة الشغل»، أعود لأمومتى واهتمامى بنفسى دون أن ينقص العمل من أنوثتى شيئا».  

وتعتبر أميرة لحظة تكريمها من السيدة انتصار السيسى، قرينة رئيس الجمهورية، بمثابة التعويض الإلهى عن سنوات التعب، «هذا التكريم كان إشارة لى للعودة للميدان بعد توقف 3 سنوات لرعاية ابنى حمزة.. شعرت وقتها أن مجهودى لم يضع هباء، وأن الدولة تقدر المرأة التى تقتحم الصعاب».

فى عيد العمال 2026، تنصح أميرة كل فتاة: «تمسكى بحلمك طالما لا تفعلين شيئا خطأ، ولا تستمعى للكلمات المحبطة».




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة