ميدان وكواليس الشبكات الخفية.. كيف تدير قيادات الإرهابية الهاربة منظومة التجنيد والتأثير من الخارج عبر البودكاست والمنصات الرقمية؟.. حاولت إعادة وتشكيل الوعي بخطاب عصري يمهد الطريق من الفكر إلى العنف

الخميس، 09 أبريل 2026 11:00 م
ميدان وكواليس الشبكات الخفية.. كيف تدير قيادات الإرهابية الهاربة منظومة التجنيد والتأثير من الخارج عبر البودكاست والمنصات الرقمية؟.. حاولت إعادة وتشكيل الوعي بخطاب عصري يمهد الطريق من الفكر إلى العنف أرشيفية

كتبت إسراء بدر

 

لم تعد التنظيمات المتطرفة تعتمد على الأساليب التقليدية في الانتشار والتأثير، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تقوم على إدارة شبكات كاملة من خارج الحدود، مستخدمة أدوات التكنولوجيا والإعلام الحديث لإعادة تشكيل الوعي، واستقطاب عناصر جديدة دون الحاجة إلى الوجود الميداني المباشر.

وفي قلب هذا التحول تبرز ما تُعرف بـ حركة ميدان كنموذج متكامل يكشف كيف يمكن للخطاب الناعم والمنصات الرقمية أن تتحول إلى أدوات خطيرة في خدمة أهداف متطرفة، عبر منظومة دقيقة تجمع بين التخطيط الخارجي، والتنفيذ الداخلي، والتأثير النفسي طويل المدى.

تكشف تفاصيل حركة ميدان عن تحول نوعي في بنية التنظيمات المتطرفة، حيث لم يعد النشاط قائمًا على خلايا تقليدية داخل الحدود فقط، بل أصبح يعتمد بشكل أساسي على إدارة مركزية من الخارج، تقودها قيادات هاربة تمتلك القدرة على التخطيط والتوجيه دون التعرض لضغوط أمنية مباشرة، وهذا النموذج يمنح تلك القيادات مساحة أكبر للمناورة، ويضمن استمرارية النشاط حتى في ظل الملاحقات الأمنية.

بحسب ما ورد في اعترافات الإرهابي علي عبد الونيس، فإن ما يُعرف بـ مؤسسة ميدان لم تكن مجرد كيان إعلامي أو سياسي، بل كانت جزءًا من منظومة متكاملة تُدار من الخارج، وتعمل كذراع سياسي وإعلامي لتنظيمات مسلحة.
اللافت في هذا النموذج هو الاعتماد الكبير على التكنولوجيا، حيث تُستخدم وسائل اتصال مشفرة ومنصات رقمية لنقل التعليمات، ومتابعة الأداء، وتقييم التأثير، ولم يعد الأمر يقتصر على نشر أفكار، بل امتد إلى إدارة حملات متكاملة تُبنى على تحليل ردود الفعل، وتعديل الرسائل وفقًا لتفاعل الجمهور.

ومن أبرز أدوات هذه المنظومة، البودكاست، الذي تحول إلى منصة رئيسية لتمرير الأفكار بشكل غير مباشر، فبدلًا من الخطاب التقليدي المباشر، يتم تقديم محتوى تحليلي أو نقاشي يتناول قضايا مثل الحرية والعدالة وحقوق الإنسان، وهي موضوعات قريبة من اهتمامات الشباب، ما يمنح الرسائل طابعًا أكثر قبولًا وانتشارًا.

هذا الأسلوب لا يطرح الأفكار بشكل صادم، بل يعتمد على التدرج، بداية من النقد العام، وصولًا إلى مراحل أكثر خطورة قد تشمل تبرير العنف.
كما أظهرت التفاصيل أن هذه الحلقات لم تكن عفوية، بل كانت تُعد بعناية شديدة، مع اختيار الضيوف، وتحديد الرسائل، وصياغة الخطاب بما يتناسب مع الجمهور المستهدف، بل إن الأمر امتد إلى تقديم قيادات التنظيم في صورة مفكرين أو محللين، وهو ما يسهم في تحسين صورتهم وخلق نوع من التعاطف معهم.
في السياق ذاته، لعبت "مؤسسة ميدان" دور الغطاء السياسي، حيث ساهمت في كسر حالة العزلة التي تعاني منها التنظيمات، عبر خلق منصات تواصل جديدة، وبناء شبكة من العلاقات يمكن استغلالها لاحقًا في عمليات التجنيد.

هذه الواجهات لم تكن منفصلة عن النشاط المسلح، بل كانت جزءًا من استراتيجية واحدة تهدف إلى الدمج بين العمل الإعلامي والسياسي والميداني.

الأخطر في هذا النموذج هو استهداف فئة عمرية محددة، تتراوح بين 20 و25 عامًا، وهي الفئة الأكثر تفاعلًا مع المنصات الرقمية، والأكثر تأثرًا بالخطاب الإعلامي الحديث، ويتم التركيز بشكل خاص على الشباب ذوي المهارات التقنية والخلفيات الثقافية المتنوعة، بهدف تكوين كوادر قادرة على إدارة المعركة الإعلامية، بالتوازي مع أي نشاط آخر.
كما اعتمدت "حركة ميدان" على تغيير لغة الخطاب بشكل جذري، حيث تم الابتعاد عن المصطلحات الدينية المباشرة، واستبدالها بلغة سياسية وثقافية عصرية، ما يجعل الرسائل أكثر انسجامًا مع طبيعة الجمهور الحالي.

ويكشف نموذج ميدان عن مرحلة جديدة من عمل التنظيمات المتطرفة، تقوم على ما يمكن وصفه بـ"الحرب الناعمة"، التي تستهدف العقول قبل الميدان، وتستخدم أدوات تبدو بريئة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها أهدافًا معقدة وخطيرة، وهو ما يفرض ضرورة رفع الوعي المجتمعي، وفهم طبيعة هذه الأدوات.

 

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة