رغم الضربات العسكرية العنيفة التي تعرض لها النظام الإيراني خلال الأسابيع الأخيرة، بما في ذلك استهداف قيادات بارزة على رأس هرم السلطة، لا تزال مؤسسات الدولة في إيران متماسكة، بل وتبدو أكثر قدرة على إدارة الصراع، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول أسباب صمود النظام، وحدود تأثير الضربات الخارجية، وسيناريوهات ما يعرف بـ«اليوم التالي» في حال سقوطه.
تماسك رغم الضربات.. لماذا لم ينهار النظام؟
وعلى عكس التوقعات التي رجحت انهيار النظام سريعًا، أظهرت التطورات الميدانية أن طهران لا تزال قادرة على الرد والتكيف، سواء عبر توسيع نطاق عملياتها العسكرية أو من خلال تفعيل شبكاتها الإقليمية.
ويعود ذلك، وفق محللين، إلى طبيعة العقيدة العسكرية الإيرانية التي تقوم على مبدأ اللامركزية، حيث أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن القصف لا يؤثر على قدرة إيران في خوض الحرب ، مشيرًا إلى اعتماد بلاده على ما يعرف بـ«الدفاع الموزاييكي»، وهو نموذج يسمح باستمرار العمليات العسكرية حتى في حال استهداف مراكز القيادة.
وهذا المفهوم، الذي طوره الحرس الثوري الإيراني منذ عام 2005، يعتمد على توزيع مراكز القيادة على المحافظات، بما يضمن استمرار القتال بشكل مستقل حتى في حال فقدان القيادات العليا.
الحرب تعزز نفوذ المتشددين في ايران
وعلى المستوى الداخلي، يبدو أن الحرب لم تضعف النظام، بل ساهمت في إعادة تشكيل موازين القوى داخله، فقد أدت الضربات إلى غياب شخصيات وصفت بالبراغماتية، في مقابل صعود التيار العسكري.
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة ماربورغ طارق صديق لشبكة دوتش فيله الألمانية، إن الحروب بطبيعتها تعزز نفوذ القوى العسكرية، مضيفًا أن الحرس الثوري بات في موقع أقوى بعد أن ثبتت صحة تحذيراته المتكررة من تهديدات الولايات المتحدة وإسرائيل.
كما أشار إلى أن غياب استراتيجية واضحة لتحويل الضربات العسكرية إلى نتائج سياسية يعد أحد أبرز أوجه القصور في إدارة الصراع من قبل واشنطن وتل أبيب.
أين المعارضة الإيرانية؟
ورغم الاحتجاجات التي شهدتها إيران في السنوات الماضية، لم تظهر المعارضة كقوة قادرة على استثمار الضربات العسكرية لإحداث تغيير داخلي.
ويرى الباحث الألماني في شؤون الشرق الأوسط ميخائيل لودرز أن الاعتقاد بإمكانية إسقاط النظام عبر القصف هو تفكير قائم على التمني ، مشيرًا إلى أن الهجمات، خاصة تلك التي تطال أهدافًا مدنية، قد تدفع قطاعات من الشعب إلى الالتفاف حول النظام بدلًا من معارضته.
في السياق ذاته، اعتبرت الباحثة كاتاجون أميربور أن الدعوات الخارجية لإسقاط النظام ساذجة ، موضحة أن النظام لا يزال يمتلك أدوات قوية للسيطرة، من بينها قوات مسلحة قادرة على قمع أي تحركات داخلية.
سيناريوهات «اليوم التالي» في إيران .. بين الفوضى وإعادة إنتاج النظام
وفي حال سقوط النظام، يحذر خبراء من سيناريوهات معقدة قد تدخل فيها البلاد، أبرزها خطر الحرب الأهلية، خاصة في ظل التنوع العرقي والسياسي ووجود جماعات مسلحة.
وتؤكد الباحثة السياسية بينتي شيلر أن غياب مؤسسات قوية وموثوقة قد يؤدي إلى فشل أي عملية انتقال سياسي، مشيرة إلى أن الإحباط الشعبي ووجود السلاح قد يدفعان البلاد نحو صراع داخلي .
كما يشير مؤرخون إلى أن تجارب التدخل الخارجي في دول مثل العراق وأفغانستان وليبيا تظهر أن إسقاط الأنظمة لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام صراعات طويلة الأمد.
و لا يستبعد بعض المحللين سيناريو مختلف، يتمثل في انسحاب القوى الخارجية بعد إضعاف النظام، ما يمنح المؤسسة الدينية والعسكرية فرصة لإعادة ترتيب صفوفها واستعادة السيطرة.
وتكشف التطورات أن صمود النظام الإيراني لا يرتبط فقط بالقوة العسكرية، بل أيضًا بتركيبة معقدة من العوامل، تشمل العقيدة القتالية، وبنية الدولة، وضعف البدائل السياسية، وبينما تظل احتمالات التغيير قائمة، فإن كلفته وسيناريوهاته تبدو أكثر تعقيدًا مما كان يعتقد في بداية المواجهة.