لم تعد أمريكا اللاتينية تكتفي بدور المراقب أو التابع في الأزمات الدولية الكبرى، فمع تصاعد شرارة المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط واستهداف المنشآت الحيوية في إيران، رسمت عواصم القارة اللاتينية خريطة طريق جديدة للسيادة، متمردة على الضغوط الأمريكية التاريخية، ومحولة أزمة الطاقة العالمية إلى أداة ضغط سياسية غير مسبوقة.
البرازيل والمكسيك.. محور الرفض الأخلاقي
في برازيليا، يقود الرئيس لولا دا سيلفا حراكاً عالمياً يصفه بـ "الدبلوماسية الإنسانية"، حيث ألقى خطاباً نارياً في مطلع أبريل 2026، حذر فيه من أن الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية ليس مجرد عمل عسكري، بل هو "جريمة بيئية ضد الإنسانية" قد تلوث كوكب الأرض لعقود.
وبدأت البرازيل، بصفتها عضواً فاعلاً في "بريكس"، فعلياً في التنسيق مع الصين وروسيا لفرض نظام تبادل تجاري بالعملات المحلية بعيداً عن الدولار، كعقاب وقائي ضد العقوبات الأمريكية المتوقعة على الدول الرافضة للحرب.
أما في المكسيك، فقد أثبتت الرئيسة كلاوديا شينباوم أن "الحياد" لا يعني الصمت. فقد رفضت المكسيك رسمياً الانضمام لأي تحالف عسكري أو استخباراتي تقوده واشنطن في المنطقة، وأعلنت أن المكسيك لن تعترف بأي "ترتيبات أمنية" في الشرق الأوسط تتجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. هذا الموقف المكسيكي يمثل ضربة قوية للإدارة الأمريكية التي كانت تعول على جارتها الجنوبية لتأمين استقرار إقليمي يفرغ واشنطن لحروبها البعيدة.
كولومبيا وفنزويلا.. الجبهة الساخنة
في كولومبيا، ذهب الرئيس جوستافو بيترو إلى أبعد من ذلك، حيث وصف في تصريحاته الأخيرة الرئيس ترامب بأنه "يغامر بمستقبل البشرية" من أجل مصالح انتخابية ونفطية، مؤكداً أن كولومبيا ستوقف كافة أشكال التعاون العسكري مع أي دولة تساهم في "إبادة المدنيين" أو توسيع رقعة الحرب النووية.
وعلى الجانب الآخر، تبرز فنزويلا كلاعب "براجماتي" في هذه الأزمة. فبينما تندد كاراكاس بالعدوان الإسرائيلي والأمريكي، فإنها استغلت حاجة العالم الماسة للنفط لانتزاع اعتراف دولي بشرعية قيادتها وتخفيف العقوبات.
وفنزويلا الآن، بدعم من الرئيسة الحالية ديلسي رودريجيز، تروج لنفسها كـ "الخيار الآمن" لإمداد أوروبا والولايات المتحدة بالوقود بعيداً عن مضيق هرمز المغلق، وهو ما وضع واشنطن في مأزق أخلاقي وسياسي حرج.
الاقتصاد كدرع وسيف
ويرى الخبراء أن إغلاق مضائق الشرق الأوسط جعل من دول مثل جيانا والأرجنتين والبرازيل "ملوك الطاقة" الجدد في 2026 ، و هذا التحول الجيوسياسي منح دول القارة اللاتينية "درعاً" يحميها من الإملاءات الخارجية، فالعالم اليوم يحتاج إلى ليثيوم الأرجنتين، ونفط جيانا، وغاز البرازيل أكثر من أي وقت مضى. ومن هنا، أصبحت لغة التهديد الأمريكية بقطع المساعدات أو فرض عقوبات تجارية بلا قيمة حقيقية أمام حاجة الأسواق العالمية لثروات الجنوب.