دندراوى الهوارى

400% أرباحا من الوجع.. كيف تحولت المستلزمات الطبية إلى سوق بلا رحمة؟

الثلاثاء، 07 أبريل 2026 12:00 م


تشكل المستلزمات الطبية ضلعا أساسيا لا ينفصل عن منظومة العلاج، فهى ليست مجرد أدوات مساعدة أو مساندة، بل امتداد عضوى لملف الدواء ذاته، فلا يمكن أن تجرى العمليات الجراحية دون «خيوط» ولا يمكن علاج بعض أمراض القلب، دون دعامات، ولا يمكن لطبيب أن يتدخل جراحيا دون قفازات طبية معقمة، وأجهزة المحاليل الوريدية، فضلا عن الأدوات الجراحية الدقيقة مثل المشارط، ورغم بساطة هذه المستلزمات إلا أنها تمثل خط الدفاع الأول فى حماية المريض من العدوى، وضمان إجراء العمليات الجراحية بأمان وكفاءة، كما تعد الوسيط العملى الذى يتيح للأدوية أداء دورها داخل جسم الإنسان بشكل سليم، فى تأكيد على أن رحلة العلاج لا يمكن أن تقوم على جناح الأدوية فقط، وإنما لا بد من توافر جناح آخر مهم، وهو المستلزمات الطبية.

تأسيسا على هذه الأهمية البالغة للمستلزمات الطبية، كشف الدكتور شريف باشا، استشارى أمراض النساء والتوليد والخصوبة الشهير، ورئيس لجنة الصحة بمجلس النواب، عن المسكوت عنه فى هذا الملف البعيد عن العيون، عندما أكد أنه لا يخضع لتسعير واضح، بالمخالفة للقانون، ويعتمد على تسعير المستوردين والمحتكرين لهذه السلعة الجوهرية، ومن ثم يحققون أرباحا خيالية وصلت لـ400%، لذلك سارع بتقديم طلب إحاطة، سيُناقش فى 21 الشهر الجارى، مطالبا بوضع آلية واضحة لضبط أسعار المستلزمات الطبية فى مصر، فى ظل التباين الكبير فى أسعارها، واستغلال بعض شركات الاستيراد لاحتياجات السوق، بما يؤدى إلى زيادات غير مبررة وكبيرة فى هامش الربح، وينعكس سلبا على ارتفاع تكلفة العلاج على المواطن المصرى.

 الدكتور شريف باشا أشار إلى أهمية وضع ما وصفه بـ«تسعير عادل» أو تحديد هامش ربح منضبط للمستلزمات الطبية، وأن هذه المستلزمات، مثل الخيوط الجراحية، ودعامات القلب، وفلاتر الكلى، والمفاصل الصناعية وغيرها، لا تخضع لأى آلية تسعير واضحة، بل يُترك تحديد الأسعار للمستوردين، الذين يضعون نسب أرباح وفق تقديراتهم، وهو ما يمثل خللا واضحا فى منظومة التسعير لا يجب أن يستمر.

الدكتور شريف باشا، فجر مفاجأة عندما كشف عن أن هناك القانون رقم 151 لسنة 2019، والذى يمنح هيئة الأدوية، الصلاحيات الكاملة للموافقة على استيراد المستلزمات الطبية وتسعيرها، ولكن لا يطبق، وهو أمر مثير للدهشة، لأن عدم تطبيق هذه الصلاحيات بشكل فعّال أدى إلى ترك عملية التسعير لـ«مزاج» المستوردين، وهو ما يعد قصورا كبيرا يفتح المجال أمام التحكم غير المنضبط فى الأسعار.

وإذا قررنا معرفة حجم استيراد مصر من المستلزمات الطبية يتبين أنها تصل إلى نحو 1.1 مليار دولار سنويا، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 1.5 مليار دولار خلال العام المقبل، وهو ما يتطلب الإسراع فى تفعيل القانون، إلى جانب دراسة تعديل بعض مواده بما يسمح بوضع سقف أو هامش ربح عادل ومنضبط يحقق التوازن بين السوق وحقوق المواطنين.

وضع تسعير عادل ومرن للمستلزمات الطبية وتطبيق القانون، وكبح جماح المكاسب الخرافية التى تصل لـ400%، من شأنه أن يسهم فى خفض فاتورة العلاج بما يتراوح بين 10 و15 مليار جنيه سنويا، فضلا عن دعم منظومة التأمين الصحى الشامل، وتخفيف الأعباء الاقتصادية عن المرضى.
الحقيقة أنه فى لحظة المرض، يسقط كل شىء إلا حاجة الإنسان إلى النجاة والشفاء الكامل؛ ففى غرف العمليات وعلى أسرة العناية المركزة لا يملك المريض ترف التفاوض، ولا مساحة للمقارنة ولا رفاهية الانتظار، وإنما يدفع من أجل أن ينجو بحياته؛ وإذا تحولت هذه اللحظة الإنسانية الخالصة إلى فرصة للتربح الفاحش، فإنه استغلال أسود بأوجاع الناس.

المشكلة لا تكمن فى تحقيق الربح، لأن الربح هو العمود الفقرى لأى نشاط اقتصادى، لكن المعضلة فى طبيعة هذا الربح وسقفه. فى الأسواق الطبيعية يتحكم العرض والطلب فى الأسعار، وتوجد بدائل ومجال للمنافسة وآليات للضبط؛ أما فى سوق المستلزمات الطبية فى مصر فالوضع مختلف بالكلية!
لذلك فإن الحديث عن هوامش ربح تتراوح بين 200% و400% لم يعد مجرد اتهام سياسى قادم من البرلمان، وإنما أرقام تشير إلى غياب واضح فى آليات رقابية فعالة، ووجود سلاسل توزيع معقدة تسمح بتضخم الأسعار عبر حلقات متعددة، بدءا من المستورد إلى الموزع ونهاية بمقدم الخدمة!

ولا بد هنا من التأكيد على حقيقة ناصعة، أن الدعوة لضبط السوق لا تعنى مطلقا العداء للاستثمار والقطاع الخاص؛ وإنما العكس صحيح، فوجود قطاع خاص قوى ومنظم هو جزء رئيسى من أى منظومة صحية ناجحة، لكن الفرق كبير للغاية بين الربح المنطقى، والاستغلال، فالربح المشروع أساسه الكفاءة والجودة والمنافسة العادلة، بينما التربح يقوم على الاستغلال وانتهاز فرصة غياب البدائل وضعف الرقابة لتحقيق مكاسب خرافية!

الحل ليس مستعصيا، لكن يحتاج إلى إرادة وتشريع واضح ووضع سقف عادل لهوامش الربح على المستلزمات الطبية الأساسية؛ وأن هذا الإجراء لا يعنى تحديد الأسعار بشكل صارم، بل وضع حدود للانفلات وتعزيز الشفافية ودعم المنافسة ومنع الاحتكار وتمكين الأجهزة الرقابية من تأدية دورها، ونشر الوعى بين مقدمى الخدمة.

نريد سوقا يربح فيه المستثمر، لكن لا يُسحق فيه المريض، والاستمرار فى الوضع القائم ليس خيارا، وأن كل يوم تأخير فى عدم ضبط السوق، يعنى مزيدا من الألم، فصحة المصريين ليست مجالا للمبالغة فى الربح، وليست سلعة تُسعر دون سقف.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة