عصام خليل

مصر تصوغ خرائط التهدئة وتمنح الشرق فرصة النجاة من حرب إيران

الإثنين، 06 أبريل 2026 06:12 م


في لحظة إقليمية مشحونة، تتقاطع فيها خطوط النار مع خرائط المصالح، وتعلو فيها نبرة السلاح على صوت العقل، تعود مصر إلى موقعها الطبيعي، لا كطرف في صراع، بل كحارسٍ للتوازن، وساعٍ إلى إطفاء حرائق قد تلتهم الإقليم بأسره.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، المرتبط بتصاعد التوتر مع إيران، يبرز دور الرئيس عبد الفتاح السيسي بوصفه قائدًا يدير الأزمة بعقل الدولة، لا بانفعال اللحظة، ويقرأ ما وراء الوقائع، لا ظاهرها فقط.

لم تنظر القاهرة إلى الأزمة باعتبارها مجرد تصعيد عابر، بل تعاملت معها كنقطة ارتكاز قد تفضي إلى إعادة تشكيل الإقليم بأسره.


ومن هنا، جاء التحرك المصري مبكرًا، محسوبًا، ومتعدد المسارات، قائمًا على فهم عميق لطبيعة الصراع وتعقيداته، ومدركًا أن الحروب في هذا الإقليم لا تُخاض فقط بالسلاح، بل تُدار كذلك بالتوازنات الدقيقة والحسابات المتشابكة.

لقد أدركت القيادة المصرية أن أي مواجهة مفتوحة مع إيران لن تقف عند حدود الجغرافيا، بل ستمتد آثارها إلى عمق الأمن العربي، وتهدد استقرار الخليج، وتلقي بظلالها على الممرات الدولية الحيوية، وعلى رأسها قناة السويس. ومن ثم، لم يكن السعي إلى منع الحرب خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة استراتيجية تمس جوهر الأمن القومي المصري والعربي.

وفي هذا السياق، قاد الرئيس عبد الفتاح السيسي تحركًا دبلوماسيًا نشطًا، ارتكز على تكثيف الاتصالات مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، في محاولة لإعادة ضبط إيقاع الأزمة؛ وقد تميز هذا التحرك بقدر كبير من الاتزان، حيث حافظت القاهرة على خطاب هادئ في ظاهره، حاسم في مضمونه، رافض للتصعيد، وداعٍ إلى الاحتكام إلى منطق السياسة بدلًا من منطق القوة.

ولم تكتفِ مصر بالقنوات العلنية، بل فعّلت مسارات دبلوماسية هادئة، تعمل بعيدًا عن الأضواء، هدفها تضييق فجوات الثقة وفتح نوافذ للحوار. وهي مقاربة تعكس مدرسة مصرية راسخة في إدارة الأزمات، ترى أن الضجيج لا يصنع حلولًا، وأن النتائج تُبنى في صمت، لا في صخب التصريحات.

وقد حرص الرئيس عبد الفتاح السيسي، في خطاباته، على تثبيت مجموعة من الثوابت، في مقدمتها رفض الانزلاق إلى مواجهة عسكرية شاملة، والدعوة إلى حلول سياسية مستدامة، واحترام سيادة الدول، والعمل على تجنيب الشعوب ويلات صراعات لا رابح فيها. ولم تكن هذه الثوابت مجرد شعارات، بل تحولت إلى أطر عملية تحكم حركة الدبلوماسية المصرية في مختلف اتجاهاتها.

وعلى مستوى التنسيق العربي، عملت القاهرة على تعزيز التشاور مع القوى الفاعلة، إدراكًا منها أن وحدة الموقف العربي تمثل عنصرًا حاسمًا في كبح جماح التصعيد.

وقد انطلقت مصر في هذا المسار من قناعة راسخة بأن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي العربي، وأن أي تهديد له ينعكس بالضرورة على استقرار الإقليم بأسره.

أما على الصعيد الدولي، فقد استفادت مصر من علاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الكبرى، لتلعب دور الوسيط المقبول، القادر على نقل الرسائل وبناء جسور التفاهم، دون أن تفقد استقلال قرارها أو تنجرف إلى محاور متصارعة، وهو ما منحها مساحة حركة واسعة، وقدرة على التأثير في لحظة تتسم بندرة الوسطاء الموثوقين.

وفي خضم هذه التحركات، بدأت تلوح في الأفق ملامح هدنة محتملة، تعكس إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف كافة بأن الاستمرار في التصعيد يحمل كلفة باهظة، وأن التراجع المنظم قد يكون الخيار الأقل خسارة.

وهنا تتجلى بوضوح قيمة الدور الذي تقوده مصر، إذ لم يكن مجرد دعوة نظرية إلى التهدئة، بل مساهمة فعلية في تهيئة المناخ الذي يجعل الهدنة ممكنة.

فالهدنة لا تُصاغ على موائد التصريحات، بل تُبنى على تراكم من الاتصالات، وحد أدنى من الثقة، وقنوات مفتوحة لنقل الرسائل واحتواء الأزمات، وهي كلها عناصر عملت مصر على ترسيخها عبر دبلوماسيتها المتوازنة، في سياق سعيها إلى تفكيك التوتر بدلًا من تأجيجه، واحتواء الصراع بدلًا من توسيعه.

ومن هذا المنطلق، تبدو فرص نجاح الهدنة المقترحة وثيقة الصلة باستمرار هذا الزخم الدبلوماسي، الذي أسهمت القاهرة في صناعته. فكلما اتسعت دوائر التفاهم، وتراجعت حدة الخطاب، اقتربت الهدنة من أن تتحول إلى واقع، لا باعتبارها وقفًا مؤقتًا لإطلاق النار فحسب، بل كبداية لمسار أوسع لإعادة بناء التوازن الإقليمي.

غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في توقيع الهدنة، بل في صونها من الانهيار، وهو ما يتطلب إرادة سياسية صادقة، ودورًا مستمرًا من الأطراف القادرة على تثبيت التهدئة ومنع الانزلاق مجددًا إلى دوامة التصعيد؛  وهنا يظل الدور المصري — بما يمتلكه من خبرة ومصداقية — أحد الضمانات الأساسية لاستمرار هذا المسار.

إن السلام ليس ضعفًا يُستجدى، ولا تراجعًا يُدان، بل هو قوة العقل حين يسمو على الغريزة، وحكمة الإرادة حين تغلب نوازع الهدم.

مصر، وهي تمضي في هذا الدرب، لا تطفئ نارًا عابرة، بل تحرس معنى، وتدافع عن ميزان، وتؤكد أن الأمم لا تُقاس بما تملكه من أدوات الحرب، بل بما تملكه من قدرة على منعها. فإذا قُدِّر لهذه الهدنة أن ترى النور، فلن تكون مجرد فاصلة في صراع، بل شهادة على أن في هذا الشرق عقلًا لا يزال يقاوم الجنون، وصوتًا — من القاهرة — يقول إن للحياة بقية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة