السيد شحتة

دمار في تل أبيب وحراك في القاهرة.. حرب إيران وحدود الشرق الأوسط الجديد

الإثنين، 06 أبريل 2026 11:00 ص


يرسم الحالمون بصنع شرق أوسط جديد على مقاس الأساطير التوراتية قصورًا من الرمال عندما يتوهمون أن بإمكانهم القفز فوق حقائق التاريخ وتحدي واقع الجغرافيا. أغلب الظن أن المتعطشين لإشعال الحروب في كل زمان ومكان لا يجدون وقتًا لمراجعة أخطاء الماضي.

جلس الإسرائيليون منذ 36 يومًا أمام الشاشات يتابعون وقائع أول يوم للحرب التي ورط نتنياهو أمريكا فيها على إيران، منتظرين أن يعود إليهم ببرهان واحد على صدق وعوده بعالم أكثر أمنًا، ليجدوا أنفسهم يلهثون خلف سراب وواقع صعب دفعهم إلى قضاء أغلب أوقاتهم في الملاجئ هربًا من قصف صواريخ إيران وحزب الله.

يبكي رؤساء بلديات شمال إسرائيل أمام الشاشات ويصرخون بكل قوة: "لا توجد هنا دولة تحمينا أو جيش يدافع عنا". تكثف إسرائيل من غاراتها على إيران ولبنان ولكن الرد لا يتأخر رغم الدمار الذي تنشره في كل مكان.

حولت إسرائيل المنطقة خلال أكثر من شهر إلى برميل من البارود، دوت الانفجارات في كل مكان ولم تسلم منها ديمونة والنقب وحيفا والجليل وشمال ووسط الكيان المحتل، الأرقام الرسمية تتحدث عن أكثر من 6 آلاف مصاب في إسرائيل وحدها بسبب الحرب التي توسعت جبهتها لتصل إلى جميع دول الخليج العربي التي وجدت نفسها في مرمى النيران وفي قلب صراع بين الأطراف الثلاثة.

وقع ترامب في كارثة استراتيجية عندما تصور أن إيران ستكون مثل فنزويلا وأنه سيكون في مقدوره خلال أيام قليلة أن يقوم بتغيير نظام الحكم والاستيلاء على النفط الإيراني قبل أن يطلق يد إسرائيل في المنطقة لتعيث فيها دمارًا وتخريبًا.

يدرك الإسرائيليون الذين اضطروا إلى قضاء عيد الفصح في الملاجئ الآن أكثر من غيرهم خطورة الأمر، وتقول صحفهم إنه إذا استمر نتنياهو في رئاسة الحكومة حتى عيد الفصح القادم فلن تكون هناك إسرائيل أخرى.

إسرائيل بين عقدة الجغرافيا ولعنة التاريخ

هذه حرب مجنونة لن يكون فيها رابح، خسر الخليج عندما تعرضت منشآت النفط والبنية التحتية فيه لهجمات غير مبررة من المسيرات الإيرانية، وأعاد القصف الأمريكي-الإسرائيلي الذي امتد من المنشآت النووية إلى المدارس والجامعات إيران سنوات طويلة إلى الوراء مع فاتورة بشرية واقتصادية باهظة.
لا يخفي قادة الصين سعادتهم من الورطة التي قاد ترامب أمريكا إليها، وربما تُعد بكين التي سمح الإيرانيون لسفنها مبكراً بالمرور من مضيق هرمز أبرز الرابحين من تداعيات المستنقع الإيراني الذي دفع أمريكا لسحب الكثير من قواتها المخصصة لردع الصين وتوجيهها للشرق الأوسط.
إسرائيل داخلياً ستدفع ثمنًا باهظًا لهذه الحرب التي رسخت عقدة الجغرافيا التي يعاني منها الكيان المحتل، والذي توهم أن في مقدور القوة العسكرية أن تمكنه من فعل كل ما يحلو له وبسط سيطرته على منطقة لا يعدو سوى أن يكون نقطة صغيرة في بحرها.

سوف تبتلع الجغرافيا إسرائيل التي تظن أن في وسعها أن تحارب الجميع طوال الوقت، اليمين المتطرف يقود الكيان الغاصب إلى حتفه بسرعة رهيبة، لم يتوافد المستوطنون إلى الأرض المحتلة من أجل الموت، تخنقهم الحروب الطويلة، اعتادوا على أن يخطفوا كل شيء في غمضة عين.
لم تصمد القبة الحديدية في مواجهة الصواريخ، ولم تنجح طائرات إف 35 الأمريكية في تأمين إسرائيل وجعلها واحة للأمان، حتى حزب الله الذي روج جيش الاحتلال أنه قضى عليه للأبد عاد ليوجه ضربات موجعة للعمق الإسرائيلي.

في الوقت الذي تتناقل فيه وسائل الإعلام صور الدمار الواسع في تل أبيب، التي ظن أهلها أنهم قادرون على حمايتها حتى من الريح المرسلة، حاول البعض أن يزايد على الموقف الرسمي والشعبي المصري، متناسين أن القاهرة لا يمكن أبدًا إلا أن تكون في مواجهة السياسات التوسعية الإسرائيلية، كما لا يمكن أن تغض الطرف عن المحاولات الإيرانية للمساس بأمن الخليج العربي.

القاهرة ومحاولات إطفاء الحرائق في الشرق الأوسط

في الوقت الذي تتوالى فيه صور الدمار في إسرائيل، تتكثف التحركات المصرية بالتعاون مع أطراف إقليمية أخرى في مقدمتها تركيا وباكستان؛ من أجل وضع نهاية لحرب لم تسعَ إليها أي دولة أخرى سوى إسرائيل. بذلت القاهرة كل ما في وسعها من أجل منع الحرب التي دفع إليها ترمب رغم رفضه لها مسبقاً، لا يمانع نتنياهو في حرق المنطقة وفي تدمير إسرائيل، ولا يكترث بانهيار الاقتصاد العالمي، المهم أن يُطوى ملف فساده للأبد، وأن ينجح في الانتخابات القادمة، وأن يظل في سدة رئاسة الوزراء الإسرائيلية إلى الأبد.

أنا مشفق على مسؤولي المخابرات العامة والخارجية، بل وكافة قيادات الدولة المصرية الذين يحاولون بشتى الطرق إطفاء الحرائق التي يشعلها نتنياهو وحزبه في المنطقة من أجل إشباع نزوات اليمين الإسرائيلي. من غزة إلى لبنان وصولاً إلى إيران، تريد إسرائيل أن تحول المنطقة إلى ساحة مفتوحة للحرب، في الوقت الذي تسعى فيه القاهرة المثقلة بالمهام إلى نزع ألغام الجنون الإسرائيلي في ظل انحياز غير مسبوق في الإدارة الأمريكية لتل أبيب.

خطوط حركة القاهرة في الإقليم .. الأمن القومي العربي أولاً

لا تتحرك القاهرة في إطار سياسة رد الفعل، لكنها ترسم سياستها بشكل واضح، وترتبط بعلاقات وثيقة مع كافة الأطراف، وهو ما يجعلها وسيطاً نزيهاً ومقبولاً من كل الأطراف، وفي هذا الصدد نتمنى أن تكلل المفاوضات التي تقودها الآن بوقف هذه الحرب الجنونية.

لو استمع العاقلون في المنطقة وفي عالمنا إلى صوت مصر لتغيرت الكثير من الوقائع على الأرض، فلن تنجح أي قوى أجنبية مهما بلغت قوتها في منح هذا الإقليم الاستقرار الذي ينشده؛ فالأمن لا يُشترى، وطالما ظل خيار بناء جيش عربي معطلاً بفعل فاعل، سوف يظل الخطر محدقاً بالجميع.
القاهرة التي تورطت أطراف عربية في محاولة إضعافها في فترة منذ الزمن هي التي تتحرك الآن دفاعاً عن الأمن القومي العربي وحفاظاً على توازنات المنطقة، فالالتفاف حول مصر بمخابراتها العامة وخارجيتها وجيشها القوي ضرورة استراتيجية حتى تكف الولايات المتحدة عن التعامل مع المنطقة بوصفها ساحة خلفية لإسرائيل من حقها أن تفعل كل ما يحلو لها، من مصلحة كل العرب أن تظل مصر قوية لأنها وحدها القادرة على إحباط المخططات الإسرائيلية التوسعية.

تتحرك القاهرة وفق ثوابت راسخة لا تحيد عنها من أجل حماية الأمن القومي العربي، لذا سارعت منذ مدة -لعلاج التشوهات الناتجة عن الفراغ الناجم عن غياب دول عربية بأكملها- إلى تشكيل تحالفات جديدة مع تركيا وباكستان وأطراف عربية أخرى من أجل خلق حالة من التوازن المفقود في المنطقة.
قدر مصر أن تتوسط العالم القديم وأن تقع في قلب منطقة تتصارع القوى الكبرى للهيمنة على ثرواتها، لم تتهرب مصر أبداً من مسؤوليتها، تدفع فاتورة الجغرافيا وتتصالح مع دورها التاريخي وهذا قدر الكبار.. لذا آن للمزايدات أن تتوقف.
مصر عصية الانكسار، وستظل رغم التحديات التي تواجهها في رباط إلى يوم يبعثون.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة