في صباح مشرق يفوح برائحة أغصان الزيتون، ويزهو باللون الأخضر الذي يكسو باحات الكنائس، تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اليوم الأحد بـ"أحد الشعانين" أو "أحد السعف"، وهو العيد الذي يمثل بوابة العبور إلى "أسبوع الآلام".
في هذا اليوم تتوقف عقارب الزمن لتعود بالذاكرة إلى ألفي عام، حين دخل السيد المسيح أورشليم ملكاً للسلام، لتبدأ من هنا أعمق رحلة روحية في العقيدة المسيحية، حيث يختلط هتاف الفرح بظلال الصليب القادم.
رؤية روحية
وقدم القمص جورجيوس، كاهن كنيسة العاشر من رمضان، قراءة روحية عميقة لهذا اليوم، مؤكداً أن "أحد الشعانين" ليس مجرد ذكرى تاريخية، بل هو مواجهة مع الذات.
وقال القمص جورجيوس في تصريحات لـ "اليوم السابع": "إن السيد المسيح دخل أورشليم في مشهد يجمع بين التواضع والملوكية، لم يركب مركبة حديدية، بل ركب جحشاً بسيطاً، ليؤكد أن ملكه ليس من هذا العالم. لكن السؤال الأهم الذي يطرحه هذا العيد على كل إنسان هو: أين موقعك من هذا الموكب؟".
وفصل القمص جورجيوس مواقف القلوب في ذلك اليوم إلى فئات خمس: التائبون: وهم الذين اتخذوا قراراً عملياً بالتغيير، مثل زكا العشار والمرأة السامرية، والمضحون: الذين خلعوا ثيابهم وفرشوها في الطريق، تعبيراً عن تسليم القلب والإرادة بالكامل، والرافضون: الذين اتحدوا رغم اختلافهم (اليهود والرومان) على رفض الحق، لأن النور يفضح ظلمتهم.
بالإضافة إلى المتزاحمون (أصحاب المصالح): الذين تبعوه لأجل خبز أو شفاء، قلوبهم بعيدة رغم قرب أجسادهم، والفرحون بصدق: وهم الأطفال والبسطاء الذين أحبوا المسيح لذاته دون حسابات مادية.
ولفت: "هل نحن أطفال بسطاء نفرح بالمسيح، أم باحثون عن مصلحة؟ إن العيد دعوة لاختيار موقعنا قبل أن يتحول الهتاف إلى صمت، والفرح إلى صليب".
دلالات "شعانين" وسر السعف والزيتون
كلمة "شعانين" مشتقة من الكلمة العبرية "هوشعنا" أو "أوصنا"، وتعني "يا رب خلّص"، كانت قديماً صرخة نجدة، لكن في ذلك اليوم تحولت إلى نشيد فرح.
ويحمل "السعف" والزيتون دلالات تتجاوز الزينة؛ فسعف النخيل يشير إلى "النصرة الروحية" والجهاد الحسن، بينما ترمز أغصان الزيتون إلى "السلام والقداسة"، إذ ويحرص الأقباط في هذا اليوم على تشكيل السعف في صور صلبان وتيجان، تعبيراً عن استقبال "ملك السلام" في قلوبهم.
لماذا لا تُقام جنازات في أسبوع الآلام؟
يتسم طقس اليوم بـ "ثلاث علامات" لاهوتية وتنظيمية تجعله فريداً بين أيام السنة:
- دورة الشعانين: حيث يطوف الكهنة والشمامسة بـ 12 موضعاً داخل الكنيسة (أيقونات القديسين والملائكة)، في إشارة إلى أن السماء والأرض تشتركان في الفرح.
- الأناجيل الأربعة: يُقرأ في هذا اليوم فصول من البشائر الأربع (متى، مرقس، لوقا، يوحنا) لأن الجميع سجلوا واقعة دخول المسيح لأورشليم، مما يعكس شمولية الرسالة لكل جهات الأرض.
- صلاة التجنيز العام: وهو الطقس الأكثر إثارة للتساؤل، حيث تُقام صلاة جنازة جماعية بعد القداس مباشرة.
والسبب هو أن الكنيسة، احتراماً لآلام المسيح، لا ترفع بخوراً ولا تصلي جنازات "خاصة" طوال أسبوع الآلام، لذا يُصلى التجنيز العام اليوم، ويرش الماء على المصلين ليكون بمثابة "جنازة استباقية" لكل من قد ينتقل خلال الأسبوع، ليتفرغ الجميع تماماً لمشاركة المسيح آلامه.
خريطة الطريق إلى "الجلجثة".. أسبوع البصخة المقدسة
منذ غروب شمس اليوم، تتغير نبرة الألحان داخل الكنائس من "الفرايحي" إلى "الحزايني"، وتتوشح الأعمدة والأيقونات بالستر السوداء، إيذاناً ببدء "البصخة" (وهي كلمة تعني العبور).
- أيام البصخة (الاثنين - الأربعاء): أيام للصوم الانقطاعي المشدد والتأمل في النبوات التي سبقت الصلب، حيث تُغلق أبواب الهيكل (المذبح) وتُقام الصلوات في صحن الكنيسة، تعبيراً عن طرد الإنسان من الجنة واحتياجه للفداء.
- خميس العهد (9 أبريل): محطة فارقة تشهد تأسيس "سر الإفخارستيا" (التناول) في العشاء الأخير، كما تقيم الكنائس طقس "اللقان" حيث يغسل الكاهن أرجل المصلين في مشهد تواضع مهيب، اقتداءً بما فعله المسيح مع تلاميذه.
- الجمعة العظيمة (10 أبريل): يوم الذروة، حيث تمتد الصلوات لنحو 12 ساعة متصلة، تُتلى خلالها الأناجيل التي تصف المحاكمة والصلب، وتنتهي بـ "دفن أيقونة المسيح" في ستر من الكتان والورود.
- سبت الفرح (11 أبريل): ليلة "أبو غلمسيس"، حيث يمتزج الحزن بالفرح انتظاراً للقيامة. وفي هذا اليوم، تتوجه الأنظار إلى القدس، حيث يخرج "النور المقدس" من قبر المسيح ليفيض على العالم.