لم يعد شعار «نحن أو الفوضى» مجرد عبارة عابرة ارتبطت بمرحلة سابقة، بل يبدو أنه يتحول اليوم إلى استراتيجية متجددة تعكس جوهر التفكير الذي يحكم تحركات الجماعة بعد سقوطها وفشلها في العودة عبر المسارات السياسية أو محاولات التأثير التقليدي.
فالدعوات التي خرجت مؤخرًا من خلال منصة "ميدان" الإخوانية لتسليح المواطنين لا يمكن فصلها عن هذا الشعار، بل تمثل ترجمته العملية على الأرض، حيث يصبح نشر السلاح بين الناس أداة لإشعال الشوارع وتحويلها إلى ساحات صراع مفتوح، في محاولة لخلق واقع مضطرب يفرض نفسه بالقوة، بعد أن عجزت الجماعة الإرهابية عن فرضه عبر صناديق السياسة أو أدوات الحشد.
هذه الدعوات تحمل في طياتها مخاطر جسيمة، إذ تعني ببساطة نسف فكرة الدولة لصالح منطق الفوضى، وتحويل المجتمع إلى بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة، حيث تتداخل الخلافات اليومية مع التوترات السياسية، ويصبح السلاح هو الفيصل بدلًا من القانون. وهو السيناريو الذي سعت الجماعة الإرهابية إلى ترسيخه خلال فترة وجودها في الحكم، من خلال محاولات مستمرة لإضعاف مؤسسات الدولة وخلق كيانات موازية، بما يمهد لفرض واقع جديد تتحكم فيه عناصرها. غير أن هذا المخطط اصطدم آنذاك برفض شعبي واسع، حيث خرج المصريون ليؤكدوا تمسكهم بالدولة الوطنية، ونجحوا في إسقاط هذا المشروع، رافضين الانزلاق إلى دائرة الفوضى التي كانت تُرسم ملامحها.
ومنذ تلك اللحظة، شهدت البلاد مسارًا واضحًا نحو استعادة الأمن وترسيخ الاستقرار، حيث عززت الدولة من قدراتها الأمنية، وأعادت فرض هيبة القانون، ونجحت في حماية المجتمع من موجات الفوضى التي حاولت بعض الأطراف الدفع بها. هذا الواقع المستقر نسبيًا يقف اليوم على النقيض من تلك الدعوات التي تسعى لإعادة إنتاج مشاهد الانفلات، وكأنها محاولة لإجبار المجتمع على الاختيار بين العودة إلى الجماعة أو الغرق في الفوضى، في استنساخ مباشر للشعار القديم.
وفي هذا السياق، يؤكد إبراهيم ربيع، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، أن "ما نشهده اليوم هو إعادة تدوير واضحة لشعار نحن أو الفوضى، لكن بأدوات أكثر صراحة وخطورة، حيث لم يعد الأمر يقتصر على التحريض أو بث الشائعات، بل وصل إلى الدعوة المباشرة لتسليح المواطنين، وهي خطوة تعني عمليًا دفع المجتمع نحو الاحتراب الداخلي.
وأضاف أن هذه الجماعات عندما تفشل سياسيًا تلجأ إلى الفوضى كبديل، لأنها تعتقد أن انهيار الاستقرار قد يفتح لها باب العودة، لكنها تتجاهل أن المصريين سبق أن أسقطوا هذا الخيار، وأن الدولة اليوم أكثر قوة وقدرة على حماية أمنها، وأن وعي المجتمع يمثل الحاجز الحقيقي أمام تكرار هذا السيناريو.