إن تجربة الحرب، التي تقودها الغطرسة الأمريكية، والمطامع الصهيونية، كشفت الكثير من الحقائق، التي أخفتها ظواهر الأمور، والسياسة التي أتبعتها الأمم العربية مع الدول الكبرى، وادعائها نحو دولهم، وخاصة دول الشرق الأوسط، ولعلها محنة عظيمة، نرجو أن نخرج منها بمنحة أعظم، وأن نتعلم درساَ في الوعي السياسي، وما يتعلق به من علاقات بين الدول، وأول درس يجب أن نتعلمه نحن العرب ولا نغفله بعد ذلك، أننا أصحاب مصير واحد، فيما يتعلق بالحرب والسلام، وأن أي دولة عربية من أوطاننا، إن أصابها عطب أو انتكاسة، لا بد أن يصيب باقي الدول مباشرة ودون أدنى حاجز، قد يتأثر البعيد، ولكن تأثيره على باقي دولنا أشد وفي العمق، فلا مجال للتفتيت والانشقاق والانفراد باتخاذ القرارات لدولة من الدول على انفراد فيما يخص الشئون القومية العربية، ليس في أمر الحرب فحسب ولكن أيضا فيما يتعلق بأي تغيير يكون له أثر خارج حدود الوطن الواحد، من هنا يجب أن نصنع تكتلات سياسية موحدة، تساعدنا على النهوض بأوطاننا ومصالحنا المشتركة، فنحن أولى من غيرنا، ونحن أصحاب أرض ذات معالم تتميز بها، ولغة واحدة تربط بيننا، ولنا بفضلها أداب مشترك وتراث مشترك، وحضارة واحدة، وتراث تاريخي يمتد عبر القرون والأجيال، فيجب أن يكون هناك وعي عربي قومي، فيه اعتزاز بالشخصية، وثقة بالنفس، فلسنا أذناب نؤمر فنطيع ما يملى علينا ممن يطمعون في مقدراتنا وأقواتنا، يجب أن نتعامل بالندية مع غيرنا من أصحاب الأمم الأخرى، وننظر إلى مصالح أوطاننا، كما تسعى الدول لمصالح أوطانهم ومواطنيهم، وهذا هو الدور المنوط به من أراد قيادة الأمم، وإلا لماذا هم جالسون على كراسي الحكم، إن أمانة الحكم، تقتضي العمل على تحقيق مصالح الشعوب، فإن لم تتحقق فأولى بالحاكم أن يتركها لمن هو أولى بها في تحقيقها ورسم خططها وتنفيذها على أرض الواقع، لا بد من إزالة عوامل الضعف والاستكانة، وأن نستشرف عوامل القوة والنهوض، ليس لاستخدامها في التعدي والحروب، واستعراض العضلات، وإنما لنصنع بها حضارة، ونساهم بها في بناء حضارتنا الإنسانية، فيكون لنا نصيب ومشاركة فعالة، نعتز بها، صناعة أيدينا وأفكارنا وثمرة عملنا واجتهادنا، وليس مفاخرة جوفاء، وعنجهية كاذبة، نخدع بها أنفسنا، أن تصنع مجدنا، وألا نكون عالة على الأمم في صناعة حضارة إنسانية، يجب على الجميع أن يشارك فيها، فشعورنا بأوطاننا، وتشابك مصالحنا، هو الحقيقة الأولى، التي لا بد من تنشاة الأجيال الجديدة على احترامها وتقديرها، وأن نعمق هويتنا في ضمائرهم وعقولهم، وليس أقوى من الاشتراك في المصالح لنكون كتلة واحدة، تمتد من الخليج إلى المحيط، فيكون الولاء عاما بين دولها المترابطة بروابط كثيرة متعددة، ولا يغض من ذلك ولاء الشعوب لأوطانها، فإن الدين والعقيدة والمراسم الروحية والتاريخ، تفرض هي أيضا نوعا من الولاء يحسب له حسابه، وتفرض من أجلها سياسة تضامن في كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية بين دولها، ولا تجعل لعائق من العوائق أن يكون سببا في نشأة الخلافات، وإقامة النزاعات فيما بينهم، إن اصطدام السياسات العربية وتنافرها، هو ما يضعف مراكزهم وموقفهم، فالعمل على التوفيق بين السياسات المختلفة، يعزز قوتها، قوة الدولة منفردة، وقوة الدول العربية مجتمعه.