الدكتور طاهر مرسى: الحروب تُشعل التضخم عالميًا وتلتهم القدرة الشرائية للمواطن
الدكتور أحمد معطى: العقوبات تعزل الدول اقتصاديًا وتخنق فرص العمل وترفع التضخم
في الحروب التقليدية، تظهر صور الضحايا بوضوح: مبانٍ مدمرة، وجثامين تحت الأنقاض، وأصوات انفجارات لا تخطئها الأذن. لكن في "حروب الظل"، يختفي المشهد الدموي، بينما يبقى أثره حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية، هنا، لا يسمع المدنيون دوي القصف، لكنهم يعيشون نتائجه بصمت، في صورة أزمات اقتصادية، وخدمات متدهورة، وخوف دائم من مجهول لا يُرى.
معاناة بلا مشهد دموي
في هذا النوع من الحروب، لا تُلتقط صور مباشرة للضحايا، لكن الأرقام تكشف حجم المعاناة، فوفق تقديرات World Bank، تؤدي الصدمات الاقتصادية المرتبطة بالعقوبات أو النزاعات غير المباشرة إلى ارتفاع معدلات الفقر بشكل ملحوظ في الدول المستهدفة، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.
في إيران، على سبيل المثال، أدت العقوبات خلال سنوات مختلفة إلى تضخم تجاوز في بعض الفترات 40%، ما انعكس على أسعار الغذاء والدواء، وجعل الحياة اليومية أكثر صعوبة لملايين المواطنين.
الكهرباء.. ساحة حرب غير مرئية
قد لا يدرك كثيرون أن انقطاع الكهرباء يمكن أن يكون نتيجة "هجوم" غير تقليدي، في بعض الحالات، تسببت هجمات سيبرانية في تعطيل شبكات الطاقة، ما أدى إلى شلل في قطاعات حيوية.
انقطاع الكهرباء لا يعني فقط الظلام، بل توقف المستشفيات، وتعطل سلاسل الإمداد، وفقدان الخدمات الأساسية، وهو ما يحوّل الحياة اليومية إلى معركة بقاء، دون أن تُطلق رصاصة واحدة.
الاقتصاد المنهك: المواطن يدفع الفاتورة
تُظهر بيانات International Monetary Fund أن العقوبات الاقتصادية تؤدي غالبًا إلى تراجع النمو وارتفاع البطالة، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى معيشة الأفراد.
ومع انخفاض قيمة العملة، يجد المواطن نفسه غير قادر على تلبية احتياجاته الأساسية، في حين تتحول السلع اليومية إلى عبء مالي، ما يخلق حالة من الضغط المستمر داخل المجتمع.
حرب نفسية مستمرة
لا تقتصر آثار "حروب الظل" على الاقتصاد والخدمات، بل تمتد إلى الصحة النفسية، فغياب الوضوح، وانتشار الشائعات، والخوف من تصعيد مفاجئ، كلها عوامل تخلق حالة من القلق الجماعي.
وتشير دراسات لـ World Health Organization إلى أن الأزمات الممتدة، حتى دون مواجهات عسكرية مباشرة، يمكن أن تؤدي إلى زيادة معدلات القلق والاكتئاب، خاصة في المجتمعات التي تعيش تحت ضغط مستمر.
أكد الدكتور طاهر مرسي، الخبير الاقتصادي، أن الشعوب هي أول من يدفع ثمن الحروب والعقوبات الاقتصادية، باعتبارها الطريق الأسرع لإطلاق موجات التضخم، خاصة حين تمتد تداعياتها إلى الاقتصاد العالمي كما يحدث حاليًا في أسواق الطاقة.
الحروب محرك رئيسي للتضخم العالمي
أوضح أن الحروب تمثل محفزًا مباشرًا لارتفاع معدلات التضخم، لا سيما عندما تؤثر على قطاعات حيوية مثل الطاقة، ما يؤدي إلى اضطرابات واسعة في الأسواق الدولية.
ارتفاع أسعار الطاقة يقود موجة الغلاء
وأشار إلى أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة يمثل السبب الرئيسي لتضخم التكاليف، الذي ينعكس بدوره على الأسعار النهائية للسلع والخدمات، لافتًا إلى أن أسعار النفط ارتفعت بأكثر من 50% خلال الحرب الحالية.
قرارات محلية تزيد الضغط على الأسواق
وأضاف أن العديد من الدول اتجهت إلى رفع أسعار المحروقات محليًا لمعادلة الأسعار العالمية، ما أدى إلى ارتفاع أسعار مختلف السلع والمنتجات بشكل متسارع.
تآكل القدرة الشرائية للمواطن
وأكد أن هذه التطورات انعكست سلبًا على المواطن، حيث تراجعت قدرته الشرائية، وأصبح مضطرًا لدفع عدد أكبر من الوحدات النقدية للحصول على نفس السلع والخدمات التي كان يحصل عليها سابقًا بتكلفة أقل.

الدكتور طاهر مرسى
الاقتصاد كساحة حرب: العقوبات وأثرها على المواطنين
يشير الدكتور أحمد معطي، خبير الاسواق المالية العالمية، إلى أن “التأثير الاقتصادي للعقوبات على دول مثل إيران يكون كبيرًا جدًا، حيث تصبح الدولة والمواطنون فيها شبه معزولين عن العالم بأسره”.
ويضيف أن العقوبات الاقتصادية تحرم المواطنين من الوصول إلى الأسواق العالمية أو إجراء تحويلات مالية، بما في ذلك أنشطة العمل الحر (Freelancing)، نظرًا لإغلاقهم عن نظام التحويلات البنكية الدولي (SWIFT)، ويشير إلى أن هذا الوضع “يخلق أكبر معاناة للمواطنين، ويقلل من حجم الوظائف المتاحة، خاصة الوظائف الجديدة التي أصبحت ميزة أساسية في الاقتصادات العالمية”.
ويتابع: “العقوبات الاقتصادية ترفع مستويات التضخم، وتقلل القدرة الشرائية، وترفع تكاليف المعيشة، ما يؤدي إلى تراجع قيمة العملة المحلية، وتدفع بعض الدول للجوء إلى بدائل مثل العملات المشفرة. باختصار، العقوبات تشكل واحدة من أصعب الحروب الاقتصادية على الدول، وتأثيرها يمتد مباشرة على حياة المواطنين”.
تأثير حروب الظل والعقوبات الاقتصادية على المدنيين والاقتصاد في ارقام
تشير البيانات إلى أن حروب الظل والعقوبات الاقتصادية تترك آثارًا مباشرة وعميقة على حياة المدنيين والاقتصاد العالمي. فوفق World Bank وIMF، تسبب العقوبات الاقتصادية في تراجع صادرات النفط الإيرانية من نحو 2.5 مليون برميل يوميًا إلى أقل من مليون برميل، ما أدى إلى ارتفاع التضخم في بعض الفترات إلى أكثر من 40%، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين بشكل حاد. كما ارتفعت أسعار النفط عالميًا من حوالي 70 دولارًا للبرميل قبل النزاعات إلى أكثر من 110 دولارًا حاليًا، مع توقع تجاوزها 120–150 دولارًا في السيناريوهات الأسوأ، ما يهدد بحدوث ركود عالمي محتمل يتجاوز أزمة 2008. أزمات الطاقة وسلاسل التوريد أدت أيضًا إلى ارتفاع أسعار الأسمدة 30–40%، ومنتجات أساسية مثل الألمنيوم والبلاستيك، إضافة إلى زيادة تكاليف الوقود على المواطنين الأوروبيين بنحو 60%، وارتفاع البطالة والتضخم. كل هذه المؤشرات تجعل المدنيين الحلقة الأضعف في حروب الظل، حيث يدفعون ثمن النزاعات الاقتصادية والسياسية بصمت، في صورة معيشة صعبة، خدمات متدهورة، وضغوط نفسية مستمرة، دون أن تكون هناك مواجهة عسكرية مباشرة أو اعتراف بالضحايا.
الاقتصاد كساحة حرب: أزمة سلاسل التوريد وأسعار الطاقة
ويكمل الدكتور أحمد معطي، خبير الاسواق المالية العالمية، حديثه موضحًا أن “تأثير النزاع الحالي على سلاسل التوريد العالمية كبير جدًا، خاصة في منطقة مضيق هرمز، التي تمر عبرها خُمس الطاقة العالمية، هذا أدى إلى ارتفاع أسعار النفط من حوالي 70 دولارًا للبرميل قبل الحرب إلى 110 دولار حاليًا، ومع استمرار الأزمة، قد تتجاوز الأسعار **120 دولارًا للبرميل، وفي أسوأ السيناريوهات قد تصل إلى 150 دولارًا، ما سيؤدي إلى ركود عالمي محتمل يتجاوز أزمة 2008”.
ويشير إلى أن تأثير الأزمة لا يقتصر على النفط فقط، بل يشمل منتجات أساسية مثل اليوريا والسماد، حيث تأتي نحو 20% من صادرات العالم من منطقة الخليج. هذا الأمر أدى إلى ارتفاع تكاليف الزراعة والمنتجات الغذائية، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد الزراعي.
كما تضررت منتجات الألمنيوم والبلاستيك بسبب اختناق سلاسل التوريد في الخليج، ما تسبب في ارتفاع الأسعار عالميًا، إضافة إلى تأثيرات مباشرة على أسواق الطاقة الأوروبية. ويضيف: “أوروبا، التي كانت تعتمد جزئيًا على روسيا للطاقة، اضطرت للبحث عن بدائل مثل الغاز من قطر، مما رفع تكاليف الوقود على المواطنين الأوروبيين بحوالي 60%، وزاد معدلات التضخم والبطالة، ودفع البنوك المركزية مثل البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا للتفكير في رفع أسعار الفائدة”.
ويخلص الدكتور أحمد معطي إلى أن “هذه الأزمة العالمية تعد من أصعب أزمات الطاقة في التاريخ الحديث، متفوقة على أزمات السبعينات وأزمة روسيا وأوكرانيا، وتأثيرها يمتد على الاقتصاد العالمي بأكمله، من الطاقة إلى الزراعة والصناعات الأساسية”.
د.أحمد معطي، خبير الاسواق المالية العالمية
ضحايا بلا اعتراف
أحد أخطر أوجه هذه الحروب هو أن ضحاياها لا يتم الاعتراف بهم بشكل مباشر، إذ لا يُصنفون كضحايا حرب تقليدية، رغم أنهم يتحملون نتائجها.
فلا توجد إحصاءات دقيقة تجمعهم، ولا تغطية إعلامية تسلط الضوء عليهم بالشكل الكافي، ما يجعل معاناتهم "غير مرئية" في كثير من الأحيان.
في "حروب الظل"، قد تغيب صور الدمار، لكن آثارها لا تقل قسوة عن الحروب التقليدية، وبينما تتنافس الدول على تحقيق مكاسب استراتيجية بأدوات خفية، يظل المدنيون الحلقة الأضعف، يدفعون ثمن صراعات لا يرونها… ولا يملكون إيقافها، إنها حرب بلا صور، لكنها تترك ندوبًا عميقة في حياة ملايين البشر.