في الوقت الذي تتجه فيه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة نحو ترسيخ مبدأ تمكين المرأة وتعزيز حضورها في مختلف المجالات، تكشف قراءة متأنية لفترة حكم جماعة الإخوان الإرهابية (2012–2013) عن واحدة من أكثر المراحل قتامة في تاريخ المرأة المصرية، حيث تعرضت حقوقها ومكتسباتها لتراجع غير مسبوق، في ظل فكر تنظيمي قائم على التهميش والإقصاء، امتدادًا لرؤية مؤسس الجماعة حسن البنا.
منذ تأسيس الجماعة، وضع حسن البنا تصورًا محدودًا لدور المرأة، حيث اعتبر أن “مكان المرأة هو البيت”، وأن دورها يقتصر على الإنجاب والتربية والرعاية، وهو الفكر الذي تحول مع الوقت إلى نهج متوارث داخل التنظيم، انعكس بوضوح على ممارسات قياداته، خاصة عندما وصلوا إلى سدة الحكم.
عام حكم الإخوان.. الأسوأ في تاريخ المرأة
لم يكن العام الذي حكمت فيه الجماعة مصر مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل مثل، وفق خبراء ومتابعين، “عام الانهيار” لحقوق المرأة، حيث شهدت تلك الفترة تراجعًا حادًا في تمثيلها السياسي وتضييقًا على أدوارها المجتمعية.
وتؤكد الدكتورة منال العبسي، رئيس الجمعية العمومية لنساء مصر، أن المرأة المصرية “عاشت أسوأ عصورها تحت حكم الإخوان”، حيث تقلصت حقوقها بشكل واضح، نتيجة سياسات ممنهجة هدفت إلى إقصائها من المشهد العام وتهميش دورها في المجتمع.
قرارات ومواقف صادمة
خلال تلك الفترة، اتخذت الجماعة مواقف وقرارات أثارت جدلًا واسعًا، وكشفت عن توجهها الحقيقي تجاه المرأة، من بينها:
رفض مشروع إعلان أممي لحقوق المرأة بدعوى تعارضه مع مبادئ الإسلام واعتباره تهديدًا للأسرة.
إزالة صورة الدكتورة درية شفيق من كتاب التربية الوطنية بسبب عدم ارتدائها الحجاب.
تبرير بعض أعضاء الجماعة لختان الإناث باعتباره من مبادئ الشرف.
صدور توجيهات غير رسمية بعزل النساء من المناصب القيادية والتنفيذية داخل مؤسسات الدولة.
كما شهدت تلك المرحلة محاولات لتقليص حقوق المرأة في الدستور، والتضييق على مكتسباتها القانونية، بما في ذلك الحديث عن الحد من قوانين مثل “الخلع”، ما أثار مخاوف واسعة بشأن مستقبل المرأة المصرية آنذاك.
أرقام تكشف حجم التراجع
الإحصائيات تؤكد هذا التدهور بشكل واضح، حيث:
انخفض تمثيل المرأة في البرلمان من 12.7% عام 2010 إلى 1.9% فقط في 2012، وهو أدنى مستوى خلال 15 عامًا.
تراجعت مؤشرات تعليم الإناث من 15.26% إلى 14.11% خلال فترة حكم الإخوان والاضطرابات التي تلتها.
هذه الأرقام تعكس بوضوح غياب أي رؤية حقيقية لتمكين المرأة، بل تؤكد أن الجماعة كانت تسعى لحصرها في أدوار ضيقة، بعيدًا عن المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
ما بعد الإخوان.. استعادة الدور وصعود جديد
مع سقوط حكم الجماعة، بدأت مرحلة جديدة استعادت فيها المرأة المصرية مكانتها تدريجيًا، حيث شهدت السنوات التالية تحولات كبيرة على مستوى التمكين السياسي والاجتماعي.
ففي عام 2016، ارتفع تمثيل المرأة في البرلمان إلى 14.93%، ثم قفز إلى 27.41% في 2020، وهو أعلى معدل في تاريخ الحياة النيابية المصرية. كما توسع حضور المرأة في الحكومة والمناصب القيادية، بما في ذلك تعيينها في مناصب نواب المحافظين وتوليها حقائب وزارية متعددة.
وعلى مستوى التعليم، شهدت نسب تعليم الإناث تحسنًا ملحوظًا، حيث ارتفعت من 14.85% في 2016 إلى 19.04% في 2022، ما يعكس نجاح السياسات الداعمة لتعليم الفتيات وتمكينهن.
تكشف المقارنة بين الفترتين عن فارق جذري بين فكر يسعى لإقصاء المرأة وحصرها في أدوار تقليدية، وآخر يعمل على دمجها كشريك أساسي في التنمية. فبينما مثلت فترة الإخوان الإرهابية تراجعًا حادًا في حقوق المرأة، جاءت السنوات التالية لتؤكد أن تمكين المرأة لم يعد خيارًا، بل أصبح ركيزة أساسية في بناء الدولة الحديثة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور طارق البرديسي، خبير العلاقات الدولية، إن الدولة المصرية شهدت تحولًا نوعيًا غير مسبوق في ملف تمكين المرأة خلال عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، حيث أصبحت المرأة شريكًا أساسيًا في عملية البناء والتنمية، بعد أن كانت مهمشة ومُغيبة في فترات سابقة.
وأضاف البرديسي خلال تصريح لـ "اليوم السابع" أن ما تحقق من مكتسبات للمرأة في السنوات الأخيرة، سواء على مستوى التمثيل السياسي أو المناصب القيادية أو الحماية الاجتماعية والتشريعية، يعكس إرادة سياسية حقيقية تؤمن بدور المرأة وقدرتها على المساهمة الفعالة في صناعة القرار، مؤكدًا أن هذا التمكين لم يكن مجرد شعارات، بل تُرجم إلى سياسات وبرامج واضحة على أرض الواقع.
وأشار البرديسي إلى أن فترة حكم جماعة الإخوان الإرهابية شهدت تراجعًا واضحًا في حقوق المرأة، حيث سعت الجماعة إلى تقليص دورها في المجتمع وحصرها في أدوار نمطية، فضلًا عن تجاهل قضاياها الأساسية، وهو ما مثل تهديدًا حقيقيًا لمكتسباتها التاريخية، لافتًا إلى أن المرأة في تلك المرحلة كانت عرضة للتهميش والتجنيب من دوائر التأثير وصنع القرار، قائلا "لم يستوصوا بالنساء خيرا".
وأكد أن الفارق بين المرحلتين يعكس بوضوح الرؤية المختلفة للدولة الوطنية التي تسعى إلى تمكين جميع فئات المجتمع دون تمييز، وبين فكر الجماعات الذي يقوم على الإقصاء وإعادة المجتمع إلى الخلف، مشددًا على أن ما تحقق للمرأة المصرية اليوم هو أحد أهم إنجازات الجمهورية الجديدة.