في وقت يشهد فيه العالم توترات جيوسياسية متصاعدة وإنفاقا عسكريا غير مسبوق، تتزايد التحذيرات من توجه متسارع داخل القطاع المالي نحو الاستثمار في صناعة الأسلحة النووية. هذا التحول، الذي تكشفه تقارير منظمات دولية، يثير مخاوف من تغذية سباق تسلح جديد قد يرفع منسوب المخاطر العالمية ويقوّض الجهود الرامية للحد من انتشار السلاح النووي.
وأكدت المنظمات أن الدول التسع التي تملك أسلحة نووية، وهي روسيا، والصين، وفرنسا، وباكستان، والهند، وإسرائيل، وكوريا الشمالية، وبريطانيا، والولايات المتحدة، تعمل حالياً على تحديث ترساناتها أو تطويرها، مشيرة إلى زيادة الطلب على هذه الأسلحة.
وفي تقريرٍ، سلّطت الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية ، الضوء على ازدياد اهتمام مؤسسات مالية عدة بالشركات العاملة على تطوير وتحديث ترسانات الدول التسع النووية.
وأفاد التقرير بأن 301 جهة من بنوك وصناديق تقاعد وشركات تأمين ومؤسسات مالية أخرى مولت أو استثمرت في شركات تعنى بإنتاج أسلحة نووية. وأشار التقرير إلى أن عدد المستثمرين هذا يمثل زيادة بنسبة 15 في المائة، مقارنة بالعام السابق، بعد سنوات من التراجع.
لماذا يحذر الخبراء من هذا الاتجاه؟
ولفتت مديرة برنامج الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية، سوزي سنايدر، إلى أن عدد المستثمرين الساعين إلى الربح من سباق التسلح يزداد، للمرة الأولى منذ سنوات. وحذّرت، في بيان، قائلة إنها استراتيجية قصيرة الأجل محفوفة بالمخاطر، وتسهم في تصعيد خطير، مؤكدة أنه من المستحيل الربح من سباق التسلح دون تأجيجه.
ويسلط التقرير الضوء على ارتفاع حاد في القيمة السوقية لعدد من شركات الأسلحة الكبرى، كما أبرز التقرير الضغط المتزايد الذي تُمارسه الحكومات، ولا سيما في أوروبا، لحضّ المستثمرين على رفع القيود الأخلاقية التي تقيّد استثماراتهم في شركات الأسلحة.
وتُشدد الحكومات على أن الاستثمارات في إعادة تسليح أوروبا ينبغي ألا تخضع لقيود أخلاقية، ويذهب بعضها كبريطانيا إلى حد اعتبار هذه الاستثمارات واجباً أخلاقياً في مواجهة التهديد الروسي والمخاوف المتنامية من فقدان أوروبا حماية واشنطن.
وعلى الصعيد العالمي، لا تزال الولايات المتحدة تتصدر قائمة الدول الأكثر إنفاقًا عسكريًا، بميزانية بلغت نحو 954 مليار دولار، رغم تسجيل تراجع نسبي بنسبة 7.5%. ويرتبط هذا الانخفاض بشكل أساسي بتقليص بعض أوجه الدعم العسكري الخارجي، خاصة لأوكرانيا، إلا أن التوقعات تشير إلى أن هذا التراجع قد يكون مؤقتًا، مع احتمالات عودة الإنفاق للارتفاع خلال السنوات المقبلة.
في المقابل، تواصل الصين تعزيز قدراتها العسكرية بوتيرة متسارعة، في إطار سعيها لترسيخ مكانتها كقوة عالمية منافسة، بينما تحافظ روسيا على مستويات إنفاق مرتفعة، مدفوعة بمتطلبات الحرب والتوترات المستمرة مع الغرب. وتشكل هذه الدول الثلاث وحدها نحو 51% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي، ما يعكس تركّز القوة العسكرية في أيدي عدد محدود من القوى الكبرى.
ولا يقتصر الأمر على الأرقام فقط، إذ يشير التقرير إلى أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ نحو 2.5% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وهو أعلى مستوى منذ عام 2009، في دلالة واضحة على التحول نحو "عسكرة الاقتصاد" في العديد من الدول، حيث يتم توجيه موارد ضخمة نحو الدفاع بدلاً من التنمية.
ويحذر خبراء من أن استمرار التوترات الجيوسياسية، سواء في أوروبا أو الشرق الأوسط أو آسيا، قد يدفع الإنفاق العسكري إلى مستويات أعلى خلال عام 2026 وما بعده، خاصة مع دخول العالم في سباق تسلح مفتوح، تتسابق فيه الدول لتعزيز قدراتها الدفاعية والهجومية على حد سواء.