لم تتوقف حرب الإبادة الجماعية التى شنها جيش الاحتلال الإسرائيلى على غزة منذ السابع من أكتوبر 2023؛ حيث ازداد القصف واختلط بأصوات بكاء الأطفال، وتحولت بيوت الناس إلى ذكريات تحت الركام، هناك أصبح أصحاب الأرض هم الحكاية الأصلية في كل وقت؛ مهما تشابكت خيوط الأحداث بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران، وبينما تتسع رقعة التوتر الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، وتتشابك المصالح الدولية مع بعضها البعض، يظل الإنسان الغزاوي عالقًا في قلب المشهد، يدفع ثمنًا لا علاقة له بحسابات القوى والنفوذ.
إسرائيل تستغل "الحرب على إيران" لتنفيذ مخططاتها التوسعية
من جانبه، أكد علاء شلبي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان، أن خطر التهجير القسري لسكان قطاع غزة خارج القطاع واستكمال مخطط جريمة الإبادة الجماعية لا يزال قائما بقوة.

علاء شلبي رئيس المنظمة العربية لحقوق الإنسان
إشعال إسرائيل للحرب على إيران هو المؤشر الأقوى على نواياها العدوانية
وأشار شلبي إلى أن إشعال إسرائيل للحرب على إيران هو المؤشر الأقوى على نواياها العدوانية للتحلل من التزاماتها بموجب خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وتفاهمات شرم الشيخ فى أكتوبر الماضى.
وأوضح شلبى، أن إسرائيل تعمل تحت غطاء الحرب على إيران فى المضي قدما بجرائم الحرب في غزة التي لا تزال قوات الاحتلال تنتشر في 52 بالمائة من مساحته وتعتدي بصورة يومية على النازحين، بالتوازي مع مفاقمة الاستيطان في القدس والضفة، وبدء التهجير القسري لسكان مخيمات اللاجئين بالضفة الغربية وخاصة في شمال الضفة بما يشمل جنين ونابلس وقليقلة وطولكرم، مع الاستيلاء على الأراضي جنوبي الضفة في الخليل على نحو ما يجري في منطقة مسافر يطا، وكذا باتجاه وادي الأردن في أريحا، والاستيطان في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني (أ).
العدوان الجاري على لبنان يترافق مع توسع في الأراضي السورية
وشرح شلبي أن العدوان الجاري على لبنان يترافق مع توسع في الأراضي السورية باتجاه عزل مناطق الجنوب واستمالة بعض الدروز لإقامة كيان عازل والتمهيد لتقسيم سوريا بين 3 و5 كانتونات.
وأكد شلبي إدانة المنظمة لجريمة الإبادة الجماعية وجرائم الحرب التي تواصل إسرائيل ارتكابها، والتي تشكل خروقات سافرة لأحكام اتفاقية حظر جريمة الإبادة الجماعية 1948 وأحكام اتفاقية جنيف الرابعة 1949 المختصة بحماية المدنيين وقت الحرب وتحت الاحتلال.
وأوضح شلبي أن المنظمة العربية لحقوق الإنسان ماضية في تعهدها للاستمرار في توثيق شهادات الضحايا وتقديمها إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتي تلقت 147 ملفا من المنظمة حتى الآن.
وختم شلبي بتجديد دعوة المنظمة للاتحاد الأوروبي بإلغاء اتفاقية الشراكة مع إسرائيل بموجب نص المادة الثانية من الاتفاقية.
وإسرائيل استغلت الفوضى لترسيخ احتلال 50% من القطاع
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور محمد عثمان الباحث في العلاقات الدولية، أن التصعيد العسكري الأخير بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل قد انعكس بشكل سلبي للغاية على الأوضاع في قطاع غزة، متسببًا في تراجع كبير للاهتمام الدولي بالقضية الفلسطينية، وتوفير غطاء للاحتلال الإسرائيلي لتعزيز سيطرته على أجزاء واسعة من القطاع.

محمد عثمان باحث علاقات الدولية
وقال الخبير في تصريحات لـ" اليوم السابع"، إن ما كان يخشاه الجميع، وعلى رأسهم مصر قد تحقق بالفعل؛ فمع اندلاع المواجهات الإقليمية، عاد ملف غزة الملح إلى الخلفية مجددًا، وتراجع مستوى الاهتمام الدولي به إلى أدنى مستوياته.
وأوضح أن إسرائيل استغلت ببرودة هذه "الحالة من السيولة" الإقليمية والدولية، متخذةً من أزمة مضيق هرمز، وتداعيات انخفاض إمدادات النفط، وأزمة الطاقة العالمية، والاقتتال الداخلي في المشرق العربي، فرصة مثالية لتعزيز مواقعها في غزة.
وأضاف أن إسرائيل نجحت خلال هذه الفترة في ترسيخ أمر واقع جديد، يقنن الاحتلال الدائم لأكثر من 50% من أراضي القطاع، ويمهد الطريق لتصعيد محتمل لفرض السيطرة الكاملة عليه، ما يعمق المأساة الإنسانية ويجهّض أي آمال سياسية قريبة للحل.
القانون الدولى.. بين النص والنفوذ الأمريكى
وفى رده على سؤال حول فاعلية قرارات الشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة، أكد الدكتور أن القانون الدولي والآليات المرتبطة به، بما فيها المحاكم، لا تتمتع بأي فاعلة حقيقية بمعزل عن إرادة الدول الكبرى، وتحديدًا الولايات المتحدة الأمريكية.
وشرح ذلك بالقول: "إسرائيل ترتكب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان دون رادع، لأنها تأمن العقاب بفضل غطاء سياسي وأمني واقتصادي أمريكي غير محدود وغير مشروط".
وأشار إلى أن الأمر نفسه ينطبق على قرارات المحاكم الدولية. فبالنسبة لمحكمة الجنايات الدولية، التي أصدرت مذكرات توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، فإن هذه المذكرات لم تجد طريقها للتطبيق، وذلك لأن واشنطن التي كانت من أبرز داعمي إنشاء المحكمة واستخدمتها ضد قادة سودانيين وليبيين، بل وضد الرئيس بوتين ؛ ها هي اليوم تلاحق المحكمة وقضاها ومدعيها العام بعقوبات اقتصادية وتضييق، مما يقوض وجودها بدلًا من تعزيز فاعليتها.
وتابع: "محكمة العدل الدولية هي الأخرى أصدرت تدابير لإسرائيل تمنع وقوع جريمة الإبادة الجماعية، بناءً على طلب جنوب أفريقيا، لكن إسرائيل ضربت بهذه التدابير عرض الحائط، واستمرت في حرب الإبادة، وارتكبت بالفعل أعمالًا ترتقي إلى تعريف الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين في غزة".
الفوضى العالمية وتداعي النظام الدولي
وحذر الخبير من أن هذا التقويض الأمريكي والغربي للقانون الدولي، يُفقد المنظومة القانونية الدولية مصداقيتها وفاعليتها، ويدفع العالم نحو فوضى عارمة تعكس تداعي النظام الدولي برمته. واستشهد بالحرب الإيرانية الإسرائيلية، والحرب الأوكرانية، وأنماط أخرى من التسيب والانفلات التي باتت تهدد الاستقرار العالمي، واصفًا إياها بمؤشرات خطيرة على انهيار المنظومة الدولية القائمة على احترام القوانين والأعراف.
الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.. إعادة صياغة لا انسحاب
وحول مستقبل القواعد العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، والتي تعرضت 16-17 قاعدة منها لأضرار كبيرة قدرت تكلفتها بنحو 4-5 مليارات دولار، استبعد الدكتور تمامًا سيناريو الانسحاب الأمريكي من المنطقة. ورأى أن المنطقة تظل حيوية وأساسية للمصالح الأمريكية، ولا يمكن للولايات المتحدة التخلي عنها في ظل التنافس المحتدم مع قوى كبرى مثل روسيا والصين على النفوذ في بقاع العالم، بما فيها الشرق الأوسط.
ورجح أن ما سيحدث بدلًا من ذلك هو "إعادة صياغة" هذا الانتشار العسكري، بحيث لا تكون القواعد معرضة للاستهداف السهل والمباشر كما حدث في الحرب الأخيرة، مشيرًا إلى احتمالية نقل بعض القواعد أو إعادة توظيفها بشكل مختلف، لكن مع بقاء الهيمنة والنفوذ الأمريكي كركيزة ثابتة في المعادلة الإقليمية.
في النهاية، خلص الدكتور إلى أن المشهد الحالي يعكس حالة من الفراغ القانوني والتفلت الدولي، تُوظفه إسرائيل لخدمة أجندتها التوسعية في غزة، فيما تقف المؤسسات الدولية عاجزة ومقيدة بإرادات القوى الكبرى، وهو ما ينذر بمرحلة جديدة من الصراع غير المقيد بقواعد، تُدفع فاتورتها الأساسية شعوب المنطقة، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني في غزة.

وبحسب وزارة الصحة الفلسطينية، فقد ارتفع عدد الشهداء إلى (809) شهيداً، و(2،267) مصاباً منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في شرم الشيخ ودخوله حيز التنفيذ بتاريخ 11/10/2025.
كما صرحت ممثلة منظمة الصحة العالمية في الأراضي الفلسطينية المحتلة "رينهيلده فان دي فيردت" حيث قالت، لقد قضيت أسبوعي الأول في غزة في وقت سابق من هذا الشهر وفي الحقيقة، لا شيء يمكن أن يهيئك لحجم الدمار الهائل هناك. يمكنك قراءة التقارير، ودراسة الأرقام، ولكن الوقوف في الشارع وسط أكوام لا حصر لها من الركام التي ترتفع لعدة أمتار، هو أمر مختلف تماما، كما لا تزال غالبية العائلات الفلسطينية نازحة، وتعيش في خيام وسط الركام، معتمدة على المساعدات الإنسانية لتلبية أبسط احتياجاتها الأساسية، وعلى الرغم من سريان وقف إطلاق النار، إلا أن "الضربات الجوية، والقصف المدفعي، وإطلاق النار لا تزال مستمرة".