في تاريخ المسرح المصري، تقف أسماء صنعت الملامح الأولى لهذا الفن، وكان في مقدمتها زكي طليمات الذى يتزامن اليوم ذكرى ميلاده، فلم يكن مجرد فنان يمارس التمثيل أو الإخراج، بل كان مشروعًا ثقافيًا متكاملا، آمن بأن المسرح رسالة تربوية وحضارية قبل أن يكون وسيلة ترفيه.
زكي طليمات أحد أبرز رواد الحركة المسرحية في مصر والعالم العربي، حيث جمع بين التمثيل والتأليف والإخراج، وسعى إلى تأسيس بنية علمية للمسرح تقوم على الدراسة الأكاديمية والتدريب المنهجي.
بعد عودته من بعثة دراسية في فرنسا عام 1925، بدأ في ترجمة ما اكتسبه من خبرات إلى واقع عملي، فحظي بدعم الدولة، وتمكن عام 1931 من تأسيس أول معهد لفن التمثيل العربي، في خطوة تُعد من أوائل المحاولات الجادة لتقنين دراسة المسرح أكاديميًا، وشارك في التدريس نخبة من كبار المثقفين، من بينهم طه حسين، وأحمد ضيف، ومحمد مظهر سعيد، بينما تولى طليمات تدريس الإلقاء والأداء التمثيلي إلى جانب جورج أبيض.
لكن هذا المشروع الطموح لم يستمر طويلًا، إذ لم تتجاوز حياة المعهد عامًا واحدًا، بعد أن تعرض لهجوم شديد من بعض التيارات المحافظة، التي اعتبرت دراسة التمثيل مخالفة للتقاليد والقيم، ما أدى إلى إغلاقه تحت ضغط الحملات الصحفية والدعائية.
ورغم هذه الانتكاسة، لم يتراجع طليمات، بل أعاد التفكير في آليات نشر الثقافة المسرحية، فوجد في المسرح المدرسي وسيلته الأكثر تأثيرا، ومن خلاله، نجح في إدخال المسرح إلى المدارس المصرية، ليصبح نشاطًا أساسيا يتنافس عليه الطلاب والمعلمون، وتُخصص له ميزانيات، وتُقام له مسابقات على مستوى المحافظات والجمهورية.
تحولت هذه التجربة إلى حركة فنية واسعة، أسهمت في خلق أجيال جديدة من الموهوبين، وكان طليمات يجوب أنحاء مصر، من الريف إلى الحضر، للإشراف بنفسه على الفرق المدرسية، وتوجيهها نحو اختيار النصوص الجادة، بما يعزز الذائقة الفنية ويؤسس لوعي مسرحي حقيقي.
ويستعيد الدكتور سعد أردش في كتابه "المخرج في المسرح المصري" إحدى هذه اللحظات، حين زار طليمات مدرسة دمياط الثانوية عام 1941، ووجه الطلاب لتقديم مسرحية "نهر الجنون" لـتوفيق الحكيم، في دلالة على حرصه على ربط التعليم المسرحي بالنصوص الفكرية الرفيعة.
وتوّجت جهوده بالنجاح عام 1944، حين أُعيد افتتاح المعهد العالي للفنون المسرحية، ولكن هذه المرة على أسس أكثر تنظيمًا وتخطيطًا، حيث ضم قسمين رئيسيين: التمثيل، والنقد والبحوث الفنية. ومنذ عام 1947، أصبح المعهد رافدًا أساسيًا للحياة الفنية، يمدّها سنويًا بعشرات الخريجين الذين ساهموا في تشكيل ملامح المسرح المصري الحديث.
هكذا لم يكن زكي طليمات مجرد رائد في زمنه، بل كان حجر الأساس الذي قامت عليه مؤسسات المسرح في مصر، وصوتًا مبكرًا دعا إلى أن يكون الفن علمًا يُدرّس، لا مجرد موهبة تُمارس.