بكل سهولة، وحتى نفهم عنوان المقال، هناك سؤال مباشر: إذا أجبت عنه بـ”نعم”، فأنت تؤمن كليًا بما سأصل إليه في النهاية، والسؤال: كم مرة فكرت في منتج بعينه، ثم شاهدته على فيسبوك مُرشحًا لك؟ وكم مرة دخلت لتشاهد “ريلز”، فوجدت بعدها أن صفحتك تحولت تقريبًا إلى نفس الموضوع؟.
الواقع يقول إن وسائل التواصل الاجتماعي، مع الوقت، تصنع لك نمطًا بعينه، وإذا كنت شخصًا مستسلمًا لما تقدمه لك، ولا تتغير بسرعة، فقد قررت هذه الوسائل أن تستخدمك كليًا، وبدون إرادتك، أو حتى بدون متابعة بشرية مباشرة، خاصة إذا كنت لا تملك حيثية واضحة، فأنت، من خلال ممارساتك على الصفحات التي تتفاعل معها، حتى ولو بالمرور الصامت، تصنع نمطًا محددًا، وهذا النمط بدوره يخلق ما يشبه عالمًا متكاملًا، يقدم لك الفيديوهات و”الريلز” والأصدقاء الذين يشاركونك نفس الاهتمام.
ومع مرور الوقت، ستجد أنك لا ترى سوى ما تعرضه لك هذه المنصات، وفق النمط الذي تكوَّن بفعل المشاهدات الأولى، وتظل تتفاعل مع القضايا ذاتها، إلا إذا ظهرت قضايا عابرة للأنماط، وهي ما يُعرف بـ”التريند”.
إذاً، فإن الإدراك الناشئ حديثًا لدى الرئيس ترامب قد يكون جزء منه نابعًا من خلفيات وقناعات قديمة، لكن الجزء الأكبر نتج عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي، ولنأخذ مثالًا من حدث وقع منذ نحو أسبوع، حين قرأ ترامب تصريحًا لوزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي حول المفاوضات، ما دفعه إلى تفسير التصريح على أن إيران وافقت على كذا وكذا، والحقيقة أنه لم يتلقَّ ردًا رسميًا أو اتصالًا من أي نوع، بل تفاعل مع النمط السائد الذي أقنعه بأن إيران تسير في فلك ما يريده.
وإذا سلمنا بوجود خوارزميات قادرة على تشكيل بيئة معرفية مغلقة حول عقل الرئيس ترامب، مع الإقرار بأن الأمر ليس بالبساطة التقنية التي يمكن للأفراد تنفيذها، لكن في المقابل هناك قدرات ضخمة لدى دول كبرى في هذا المجال، قادرة على اختراق وسائل الحماية والتأثير التكنولوجي، وصولًا إلى تشكيل عالم خاص به، يُرضيه ويجعله متفاعلًا في كثير من الأحيان مع وقائع غير موجودة.
وهنا نصل إلى المساحة الأوسع التي نناقشها: هل هناك نمط محدد، بعيد عن المعلومات والتقارير الدقيقة، يتشكل لدى الرئيس ترامب؟ وهل أصبح عقله مبنيًا وفق ما تروّجه أطراف تتحكم في خوارزميات وسائل التواصل؟ بمعنى آخر، هل نحن أمام نسخ متعددة من ترامب: ترامب الصيني، وترامب الإيراني، وهكذا؟.
وقد يتساءل البعض: ما نتائج هذا التأثير التي يمكن رصدها؟ الإجابة تكمن في حجم التصريحات التي يتحدث فيها ترامب عن مفاوضات مع أطراف متعددة، بينما تخرج هذه الأطراف لتعلن صراحة عدم وجود أي تواصل معه أو مع أي من أفراد إدارته، وهي أمثلة متكررة تعزز الفرضية التي نطرحها.